لم تكن الكهرباء في محافظة الحسكة يوماً خدمة مستقرة يمكن للسكان الاعتماد عليها، بل تحولت خلال السنوات الماضية إلى واحدة من أكثر الأزمات التصاقاً بحياة الأهالي.
ومع غياب التيار الكهربائي الرسمي لفترات طويلة، أصبحت مولدات الأحياء المعروفة محلياً بـ"الأمبيرات" بديلاً اضطر السكان إلى اللجوء إليه لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم اليومية.
لكن قرار إيقاف الدعم المقدم لأصحاب المولدات أعاد أزمة الكهرباء إلى الواجهة من جديد، بعدما تبعه رفع كبير في الأسعار، ما دفع إلى احتجاجات متفرقة في عدد من أحياء المدينة، وسط تساؤلات الأهالي عن البديل الذي يفترض أن يؤمّن لهم الكهرباء بعد توقف الدعم.
ويقول سكان في الحسكة إن المشكلة لا تتعلق فقط بارتفاع التعرفة، وإنما بتوقيت القرار، في ظل عدم عودة الكهرباء النظامية إلى عدد كبير من الأحياء، فضلاً عن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية لشبكة الكهرباء خلال السنوات الماضية، بما في ذلك فقدان محولات وكابلات في بعض المناطق.
عشرة أضعاف التعرفة
مع توقف الدعم، وجد أصحاب المولدات أنفسهم أمام تكاليف تشغيلية أعلى، فيما انعكس ذلك مباشرة على المشتركين، الذين فوجئوا بارتفاع قيمة الاشتراك إلى نحو 150 ألف ليرة شهرياً بتغذية لا تتجاوز خمس ساعات يومياً، بعدما كانت التعرفة السابقة تقارب عُشر هذا المبلغ ومدة التغذية اليومية كانت ثماني ساعات.
وقال أهالي لـ Syria One إن الزيادة جاءت بصورة مفاجئة، ومن دون فترة انتقالية تتيح لهم ترتيب أوضاعهم، في وقت يعتمد فيه كثير من أصحاب المحال والورش والمنازل على كهرباء المولدات بشكل شبه كامل.
كيف يصدر القرار قبل تأمين البديل؟
إبراهيم محمد، صاحب محل في وسط مدينة الحسكة، يرى أن جوهر المشكلة لا يكمن فقط في قيمة الاشتراك الجديدة، وإنما في غياب البديل.
ويقول محمد لـ Syria One إن السؤال الذي يطرح نفسه لدى الأهالي هو: كيف يصدر قرار بإيقاف دعم المولدات فيما الكهرباء النظامية لم تعد إلى معظم المناطق؟
ويضيف أن الحكومة تدرك واقع شبكة الكهرباء في المحافظة، وما تعرضت له بنيتها التحتية خلال السنوات الماضية من أضرار، مشيراً إلى فقدان محولات وكابلات في عدد من الأحياء.
ويتابع: "نحن لا نعترض على تنظيم قطاع الكهرباء أو إيجاد حلول مستدامة، لكن لا يمكن إيقاف البديل الوحيد الموجود حالياً قبل تأمين بديل آخر يستطيع الناس الاعتماد عليه".
وبالنسبة لمحمد، فإن الكهرباء ليست خدمة ثانوية، بل ترتبط مباشرة بعمل المحال وحفظ المواد الغذائية وتشغيل الأجهزة المنزلية، ما يجعل انقطاعها لساعات طويلة خسارة اقتصادية ومعيشية إضافية على السكان.
أحياء تدخل العتمة
أما سزدار وافي، أحد سكان الحسكة، فيقول لـ Syria One إن آثار القرار ظهرت مباشرة بعد صدوره، إذ جرى قطع الكهرباء عن المشتركين، في حين طُلب منهم دفع التعرفة الجديدة.
ويضيف وافي: "بعد القرار مباشرة تم قطع الكهرباء عنا، وطُلب منا دفع السعر الجديد من دون سابق إنذار. النتيجة أن أحياء كاملة من الحسكة أصبحت مظلمة".
ولا تتوقف المشكلة، بحسب وافي عند الإنارة، إذ تسببت ساعات الانقطاع الطويلة في خسائر لبعض الأهالي وأصحاب المحال، ولا سيما أصحاب المواد الغذائية.
ويقول: "البرادات توقفت، وبعض الأطعمة الموجودة فيها تعرضت للتلف. ومن نجا من العتمة هو من استطاع تأمين طاقة شمسية، أما بقية الناس فوجدوا أنفسهم أمام خيارين: دفع المبلغ الجديد أو البقاء من دون كهرباء".
أزمات متراكمة
تأتي أزمة الكهرباء الجديدة في محافظة تعاني أصلاً من تراكم أزمات معيشية وخدمية، أبرزها أزمة المياه التي استمرت لسنوات، إلى جانب مشكلات مرتبطة بالبنية التحتية والخدمات الأساسية.
وكانت أزمة مياه الشرب المرتبطة بمصادر مياه علوك واحدة من أكثر الأزمات قسوة على سكان الحسكة، قبل أن تبدأ مشكلة المياه بالتحسن جزئياً خلال الفترة الأخيرة، وإن بقي وصول المياه إلى السكان متقطعاً وغير منتظم.
ويقول الأهالي إن تحسن ملف المياه، ولو بصورة جزئية، أعاد إليهم شيئاً من الأمل، لكن أزمة الكهرباء الجديدة جاءت لتضيف عبئاً آخر إلى حياة مثقلة أصلاً بارتفاع تكاليف المعيشة.
ويقول وافي: "نحن نسأل الحكومة: كيف يمكن اتخاذ قرار كهذا قبل تأمين البديل؟ الناس بالكاد تتحمل أزماتها. وحتى عندما فرحنا بتحسن وضع مياه علوك، ما زلنا نحصل على المياه بفترات متباعدة، ربما مرة كل عشرة أيام".
بين التنظيم وحق الناس بالخدمة
لا يعترض السكان بالضرورة على إعادة تنظيم عمل المولدات أو إنهاء الدعم إذا كان ذلك جزءاً من خطة لإعادة الكهرباء النظامية إلى المدينة، لكنهم يطالبون بأن يترافق القرار مع خطوات عملية تضمن استمرار الخدمة.
فالمشكلة، كما يصفها الأهالي، هي الانتقال من بديل مكلف لكنه متاح، إلى بديل أكثر كلفة، في ظل غياب الكهرباء النظامية عن مناطق واسعة.
ويرى السكان أن أي معالجة لملف الكهرباء في الحسكة يجب أن تبدأ بتقييم واقع الشبكة، وتحديد الأحياء التي تحتاج إلى إعادة تأهيل، وتأمين المحولات والكابلات اللازمة، ووضع جدول واضح لإعادة التيار، بالتوازي مع تنظيم عمل المولدات خلال المرحلة الانتقالية.
"لا تطفئوا البديل قبل أن يصل الأصل"
في مدينة اعتاد سكانها خلال السنوات العشر الماضية على البحث عن حلول بديلة للكهرباء الرسمية، تبدو المشكلة الحالية أكبر من مجرد خلاف على تعرفة اشتراك.
إنها، بالنسبة إلى الأهالي، أزمة ثقة بقدرة الخدمات العامة على تأمين أبسط احتياجات الحياة اليومية.
وبينما ينتظر السكان حلولاً فعلية تعيد الكهرباء النظامية إلى أحيائهم، تبقى المولدات آخر خيط متاح أمام كثير منهم، رغم ارتفاع كلفتها.
لذلك، يطالب الأهالي بتدخل سريع يضمن استمرار الكهرباء إلى حين تأمين البديل، ويضع حداً لحالة التنقل بين أزمة وأخرى.







