مجتمع

من خارج الحدود.. حين تُدار الفوضى عن بُعد

901
ul

في اللحظة التي يشتعل فيها الشارع، هناك دائماً من يكون بعيداً عن الدخان. يجلس في غرفة دافئة، يتصفح الأخبار بهدوء، ويتابع حياته الآمنة.

كلمات قليلة، خطاب عاطفي مشحون، ونداء إلى “الكرامة” أو “الحقوق”.. وبعدها تُترك المدن لتدفع الثمن. هذا هو المشهد المتكرر حين يتحول التحريض من الخارج إلى وقودٍ لأزمات الداخل.

الحديث هنا ليس عن حق الناس في التعبير، ولا عن شرعية المطالب الاجتماعية أو السياسية، بل عن فئة محددة.. محرضون يعيشون خارج البلاد، يدعون إلى الاحتجاج والتصعيد، بينما هم بمنأى عن نتائجه. لا ينامون على صوت الرصاص، ولا يقلقون على طفلٍ تأخر عن العودة إلى البيت. ومع ذلك، يقدمون أنفسهم أوصياء على الغضب العام.

ما الذي يستفيده هؤلاء؟

في الغالب، مكاسب رمزية لا أكثر، حضور إعلامي، زعامة افتراضية، أو ورقة ضغط سياسية تُستخدم في مفاوضات أو اصطفافات إقليمية. بعضهم يعتقد أن إشعال الشارع يمنحه “شرعية” تمثيل، وبعضهم الآخر يتغذى على الانقسام ذاته، لأن الصراع يطيل عمره السياسي. لكن ما لا يدفعونه هم، يدفعه المجتمع كاملاً.

أول الخسائر تكون في النسيج الاجتماعي. حين يُحرَّض الناس من الخارج، غالباً ما يكون الخطاب مبسطاً وحاداً، يقسم المجتمع إلى “مع” و“ضد”، ويحوّل الخلاف السياسي إلى شرخ اجتماعي أو طائفي. هذا الشرخ لا يُغلق بسهولة، حتى لو توقفت الاحتجاجات. تبقى الشكوك، وتضعف الثقة، ويصبح التعايش أكثر هشاشة.

الخسارة الثانية تطال مسار الدولة واقتصادها. أي اضطراب أمني أو اجتماعي، حتى لو بدأ بمطالب محقة، ينعكس مباشرة على الاستثمار، العملة، الخدمات، وفرص العمل. العامل البسيط، التاجر الصغير، والطالب… هؤلاء هم من يدفعون ثمن تعطيل الطرق، إغلاق الأسواق، وتجميد المشاريع. أما المحرّض البعيد، فيكتفي بتحليل النتائج.

ثم تأتي الخسارة الأعمق.. العقد الاجتماعي، الدولة، أي دولة، تقوم على حد أدنى من التوافق بين المجتمع ومؤسساته.

حين يُدفع الناس إلى مواجهة مفتوحة دون أفق واضح أو قيادة مسؤولة على الأرض، يتآكل هذا العقد.

يتحول الغضب إلى فوضى، والفوضى إلى يأس، واليأس إلى قطيعة طويلة الأمد بين المواطن والدولة.

الاحتجاج، حين يكون نابعاً من الداخل، منظماً، ومسؤولاً، يمكن أن يكون أداة إصلاح، أما حين يُدار من الخارج، بخطاب حاد ووعود فضفاضة، فهو غالباً أداة استنزاف. استنزاف للناس، للاقتصاد، وللقدرة على بناء مستقبل مشترك.

السؤال الإنساني البسيط الذي يجب أن يُطرح دائماً: هل من يدعو إلى التصعيد مستعد لدفع ثمنه مع الناس؟

إن لم يكن الجواب نعم، فكل خطابٍ حماسي، مهما بدا أخلاقياً، يتحول إلى عبءٍ أخلاقي على المجتمع نفسه.


مقالات ذات صلة

قوات أمريكية تسقط مسيرة إيرانية.. وعراقجي يشير للتوقيع على مسودة التفاهم مع واشنطن عن بُعد

قوات أمريكية تسقط مسيرة إيرانية.. وعراقجي يشير للتوقيع على مسودة التفاهم مع واشنطن عن بُعد

أعلن الجيش الأميركي ليل الجمعة أن القوات الأمريكية "أسقطت" مسيّرات إيرانية كانت تستهدف سفناً تجارية في مضيق هرمز، في الوقت الذي تتزايد فيه المؤشرات على قرب التوصل إلى اتفاق على مذكرة تفاهم بين طهران وواشنطن.
73
عاصمة المكسيك تعلق الدراسة وتنتقل للعمل عن بُعد في افتتاح كأس العالم

عاصمة المكسيك تعلق الدراسة وتنتقل للعمل عن بُعد في افتتاح كأس العالم

أصدرت رئيسة المكسيك كلوديا ​شينبوم اليوم الثلاثاء مرسوما يقضي ‌بأن يعمل الموظفون الاتحاديون في العاصمة من منازلهم يوم 11 يونيو /حزيران، ​إلى جانب تعليق الدراسة في ​المدارس والجامعات لتخفيف الازدحام المروري ⁠خلال افتتاح كأس العالم لكرة
40
خيطٌ أخير في مهنة "على الطلب فقط!".. هل انقرضت مهنة الخياطة الرجالية؟

خيطٌ أخير في مهنة "على الطلب فقط!".. هل انقرضت مهنة الخياطة الرجالية؟

في زاوية ورشة صغيرة وخلف طاولة القماش المرتب بعناية، يجلس العم "أبو مرهف"، الذي أمضى أكثر من 25 عاماً في مهنة الخياطة الرجالية بين المقصّات والدبابيس
291
ما الذي يوقف الغش في الامتحانات؟.. أسعيد لـ Syria One: أنظمة التعليم التي تعتمد على الفهم تسجل مستويات أقل من الغش

ما الذي يوقف الغش في الامتحانات؟.. أسعيد لـ Syria One: أنظمة التعليم التي تعتمد على الفهم تسجل مستويات أقل من الغش

يشهد ملف الامتحانات في سوريا هذا العام تحوّلاً لافتاً بعد إعلان وزارة الاتصالات عدم اللجوء إلى قطع الإنترنت خلال فترة الامتحانات، والاكتفاء بالاعتماد على تقنيات بديلة لضبط محاولات الغش
372
التخصص الجامعي.. رغبات حقثقية أم "برستيج"؟.. باحثة لـ Syria One: النتائج ستكون عكسية على المستوى المهني

التخصص الجامعي.. رغبات حقيقية أم "برستيج"؟.. باحثة لـ Syria One: النتائج ستكون عكسية على المستوى المهني

"بدنا تبيّض وجهنا قدام الناس".. بهذه العبارة البسيطة، يتحدد مستقبل الكثير من الطلاب السوريين بمجرد صدور نتائج البكالوريا (الشهادة الثانوية)، فقرار التخصص الجامعي، لا يخص الطالب وحده
327
سيرياون إعلان 7