مجتمع

من خارج الحدود.. حين تُدار الفوضى عن بُعد

859
ul

في اللحظة التي يشتعل فيها الشارع، هناك دائماً من يكون بعيداً عن الدخان. يجلس في غرفة دافئة، يتصفح الأخبار بهدوء، ويتابع حياته الآمنة.

كلمات قليلة، خطاب عاطفي مشحون، ونداء إلى “الكرامة” أو “الحقوق”.. وبعدها تُترك المدن لتدفع الثمن. هذا هو المشهد المتكرر حين يتحول التحريض من الخارج إلى وقودٍ لأزمات الداخل.

الحديث هنا ليس عن حق الناس في التعبير، ولا عن شرعية المطالب الاجتماعية أو السياسية، بل عن فئة محددة.. محرضون يعيشون خارج البلاد، يدعون إلى الاحتجاج والتصعيد، بينما هم بمنأى عن نتائجه. لا ينامون على صوت الرصاص، ولا يقلقون على طفلٍ تأخر عن العودة إلى البيت. ومع ذلك، يقدمون أنفسهم أوصياء على الغضب العام.

ما الذي يستفيده هؤلاء؟

في الغالب، مكاسب رمزية لا أكثر، حضور إعلامي، زعامة افتراضية، أو ورقة ضغط سياسية تُستخدم في مفاوضات أو اصطفافات إقليمية. بعضهم يعتقد أن إشعال الشارع يمنحه “شرعية” تمثيل، وبعضهم الآخر يتغذى على الانقسام ذاته، لأن الصراع يطيل عمره السياسي. لكن ما لا يدفعونه هم، يدفعه المجتمع كاملاً.

أول الخسائر تكون في النسيج الاجتماعي. حين يُحرَّض الناس من الخارج، غالباً ما يكون الخطاب مبسطاً وحاداً، يقسم المجتمع إلى “مع” و“ضد”، ويحوّل الخلاف السياسي إلى شرخ اجتماعي أو طائفي. هذا الشرخ لا يُغلق بسهولة، حتى لو توقفت الاحتجاجات. تبقى الشكوك، وتضعف الثقة، ويصبح التعايش أكثر هشاشة.

الخسارة الثانية تطال مسار الدولة واقتصادها. أي اضطراب أمني أو اجتماعي، حتى لو بدأ بمطالب محقة، ينعكس مباشرة على الاستثمار، العملة، الخدمات، وفرص العمل. العامل البسيط، التاجر الصغير، والطالب… هؤلاء هم من يدفعون ثمن تعطيل الطرق، إغلاق الأسواق، وتجميد المشاريع. أما المحرّض البعيد، فيكتفي بتحليل النتائج.

ثم تأتي الخسارة الأعمق.. العقد الاجتماعي، الدولة، أي دولة، تقوم على حد أدنى من التوافق بين المجتمع ومؤسساته.

حين يُدفع الناس إلى مواجهة مفتوحة دون أفق واضح أو قيادة مسؤولة على الأرض، يتآكل هذا العقد.

يتحول الغضب إلى فوضى، والفوضى إلى يأس، واليأس إلى قطيعة طويلة الأمد بين المواطن والدولة.

الاحتجاج، حين يكون نابعاً من الداخل، منظماً، ومسؤولاً، يمكن أن يكون أداة إصلاح، أما حين يُدار من الخارج، بخطاب حاد ووعود فضفاضة، فهو غالباً أداة استنزاف. استنزاف للناس، للاقتصاد، وللقدرة على بناء مستقبل مشترك.

السؤال الإنساني البسيط الذي يجب أن يُطرح دائماً: هل من يدعو إلى التصعيد مستعد لدفع ثمنه مع الناس؟

إن لم يكن الجواب نعم، فكل خطابٍ حماسي، مهما بدا أخلاقياً، يتحول إلى عبءٍ أخلاقي على المجتمع نفسه.


مقالات ذات صلة

بوسطن تسمح بتجمعات تناول الطعام حول السيارات قبل المباريات بكأس العالم

بوسطن تسمح بتجمعات تناول الطعام حول السيارات قبل المباريات بكأس العالم

ستسمح بوسطن الأمريكية بتجمعات تناول الطعام حول السيارات قبل المباريات في كأس العالم المرتقب
14
"أب ولكن" بطولة الفنان محمد فراج في أروقة البرلمان المصري

"أب ولكن" بطولة الفنان محمد فراج في أروقة البرلمان المصري

شهدت أروقة مجلس النواب المصري، اليوم الثلاثاء، تفاعلا لافتا مع ملف الأحوال الشخصية، وذلك بعد تأثير المسلسل الدرامي "أب ولكن" بطولة الفنان محمد فراج
21
تحذير من تزايد استخدام الأطفال للمكملات الغذائية دون إشراف طبي

تحذير من تزايد استخدام الأطفال للمكملات الغذائية دون إشراف طبي

حذّر باحثون في دراسة حديثة، من تزايد استخدام الأطفال والمراهقين للمكملات الغذائية دون إشراف طبي، خلال السنوات الأخيرة، رغم محدودية الأدلة العلمية التي تثبت فوائدها المباشرة لهذه الفئة العمرية، ما يثير مخاوف صحية متزايدة بشأن استخدامها دون إشراف الأطباء وعشوائياً.
39
ul

بريطانيا تسن قانونا يمنع فئات عمرية من التدخين مدى الحياة

تعمل بريطانيا على سن قانون سيمنع فئات عمرية من التدخين مدى الحياة، ويدخل القانون التنفيذ خلال الأيام القادمة
76
القيلولة تنذر بتدهور الصحة في حال زيادتها عن الحد الطبيعي

القيلولة تنذر بتدهور الصحة في حال زيادتها عن الحد الطبيعي

تعتبر القيلولة من العادات المجتمعية العادية، لكنها تُنذر بتدهور الصحة في حال زيادتها عن الحد الطبيعي
117
سيرياون إعلان 7