مجتمع

من خارج الحدود.. حين تُدار الفوضى عن بُعد

1017
ul

في اللحظة التي يشتعل فيها الشارع، هناك دائماً من يكون بعيداً عن الدخان. يجلس في غرفة دافئة، يتصفح الأخبار بهدوء، ويتابع حياته الآمنة.

كلمات قليلة، خطاب عاطفي مشحون، ونداء إلى “الكرامة” أو “الحقوق”.. وبعدها تُترك المدن لتدفع الثمن. هذا هو المشهد المتكرر حين يتحول التحريض من الخارج إلى وقودٍ لأزمات الداخل.

الحديث هنا ليس عن حق الناس في التعبير، ولا عن شرعية المطالب الاجتماعية أو السياسية، بل عن فئة محددة.. محرضون يعيشون خارج البلاد، يدعون إلى الاحتجاج والتصعيد، بينما هم بمنأى عن نتائجه. لا ينامون على صوت الرصاص، ولا يقلقون على طفلٍ تأخر عن العودة إلى البيت. ومع ذلك، يقدمون أنفسهم أوصياء على الغضب العام.

ما الذي يستفيده هؤلاء؟

في الغالب، مكاسب رمزية لا أكثر، حضور إعلامي، زعامة افتراضية، أو ورقة ضغط سياسية تُستخدم في مفاوضات أو اصطفافات إقليمية. بعضهم يعتقد أن إشعال الشارع يمنحه “شرعية” تمثيل، وبعضهم الآخر يتغذى على الانقسام ذاته، لأن الصراع يطيل عمره السياسي. لكن ما لا يدفعونه هم، يدفعه المجتمع كاملاً.

أول الخسائر تكون في النسيج الاجتماعي. حين يُحرَّض الناس من الخارج، غالباً ما يكون الخطاب مبسطاً وحاداً، يقسم المجتمع إلى “مع” و“ضد”، ويحوّل الخلاف السياسي إلى شرخ اجتماعي أو طائفي. هذا الشرخ لا يُغلق بسهولة، حتى لو توقفت الاحتجاجات. تبقى الشكوك، وتضعف الثقة، ويصبح التعايش أكثر هشاشة.

الخسارة الثانية تطال مسار الدولة واقتصادها. أي اضطراب أمني أو اجتماعي، حتى لو بدأ بمطالب محقة، ينعكس مباشرة على الاستثمار، العملة، الخدمات، وفرص العمل. العامل البسيط، التاجر الصغير، والطالب… هؤلاء هم من يدفعون ثمن تعطيل الطرق، إغلاق الأسواق، وتجميد المشاريع. أما المحرّض البعيد، فيكتفي بتحليل النتائج.

ثم تأتي الخسارة الأعمق.. العقد الاجتماعي، الدولة، أي دولة، تقوم على حد أدنى من التوافق بين المجتمع ومؤسساته.

حين يُدفع الناس إلى مواجهة مفتوحة دون أفق واضح أو قيادة مسؤولة على الأرض، يتآكل هذا العقد.

يتحول الغضب إلى فوضى، والفوضى إلى يأس، واليأس إلى قطيعة طويلة الأمد بين المواطن والدولة.

الاحتجاج، حين يكون نابعاً من الداخل، منظماً، ومسؤولاً، يمكن أن يكون أداة إصلاح، أما حين يُدار من الخارج، بخطاب حاد ووعود فضفاضة، فهو غالباً أداة استنزاف. استنزاف للناس، للاقتصاد، وللقدرة على بناء مستقبل مشترك.

السؤال الإنساني البسيط الذي يجب أن يُطرح دائماً: هل من يدعو إلى التصعيد مستعد لدفع ثمنه مع الناس؟

إن لم يكن الجواب نعم، فكل خطابٍ حماسي، مهما بدا أخلاقياً، يتحول إلى عبءٍ أخلاقي على المجتمع نفسه.


مقالات ذات صلة

إيفان توني خارج قائمة منتخب إنكلترا في توقف نوفمبر

إيفان توني خارج قائمة منتخب إنكلترا في توقف نوفمبر

أعلن الألماني توماس توخيل، المدير الفني لمنتخب إنكلترا، قائمة منتخب "الأسود الثلاثة" استعدادًا لخوض منافسات فترة التوقف الدولي خلال شهر نوفمبر مع استبعاد إيفان توني
56
الملكة رانيا العبد الله في كيب تاون… إطلالة أنيقة بلمسات من التراث الكولومبي

الملكة رانيا العبد الله في كيب تاون… إطلالة أنيقة بلمسات من التراث الكولومبي

جمعت الملكة رانيا العبد الله بين الأناقة المعاصرة والتفاصيل الحرفية المستوحاة من التراث الكولومبي، خلال زيارتها إلى مؤسسة ديزموند وليا توتو الإرثية في مدينة كيب تاون بجنوب إفريقيا
210
نهاية العالم.. من نبوءات المايا إلى 13 نوفمبر 2026

نبوءة نهاية العالم.. من نبوءات المايا إلى 13 نوفمبر 2026

على مدار قرون طويلة، لم تتوقف التنبؤات التي تتحدث عن اقتراب نهاية العالم. إذ ظهرت عشرات النظريات والنبوءات التي حدد أصحابها تواريخ بعينها لنهاية الحياة على كوكب الأرض. وأثارت موجات من القلق والجدل بين الناس. ومع ذلك، مرت تلك المواعيد دون أن يتحقق شيء مما جرى الترويج له.
263
تبرعات الملابس تملأ خزائن الشوارع.. مسؤول مبادرة "ثوبك ثوابك" لـSyria One: التبرعات كثيرة جداً ونناشد الجميع لتأمين وسيلة نقل

تبرعات الملابس تملأ خزائن الشوارع.. مسؤول مبادرة "ثوبك ثوابك" لـSyria One: التبرعات كثيرة جداً ونناشد الجميع لتأمين وسيلة نقل

وسط الظروف المعيشية الصعبة، تبرز المبادرات الشبابية في دمشق كطوق نجاة يعزز قيم التكافل الاجتماعي ويحفز حب الخير في قلوب الأهالي، ومن بين هذه الجهود، أطلق فريق "ساهم التطوعي" مبادرة "ثوبك ثوابك" بهدف
269
كيف وصل "الهالوين" إلى سوريا؟ خبيرة لـ Syria One: الاندماج الثقافي ضرورة ولا مانع من تداول طقوس الفرح

كيف وصل "الهالوين" إلى سوريا؟ خبيرة لـ Syria One: الاندماج الثقافي ضرورة ولا مانع من تداول طقوس الفرح

تنتقل و يتم تبادلها و تصديرها من مكان لآخر، ثقافات مختلفة ومتنوعة وتحت مسميات غريبة او مألوفة يكتسبها و يستوردها العرب من هنا وهناك، لتتحول بدورها إلى تقليد أو عادة معترف بها، حتى وإن لم تكن تشبه ما اعتدنا عليه أو ما ألفناه أو ما عرفناه سابقاً في البيئة العربية.
393
سيرياون إعلان 7