مجتمع

ما الذي يوقف الغش في الامتحانات؟.. أسعيد لـ Syria One: أنظمة التعليم التي تعتمد على الفهم تسجل مستويات أقل من الغش

17
ما الذي يوقف الغش في الامتحانات؟.. أسعيد لـ Syria One: أنظمة التعليم التي تعتمد على الفهم تسجل مستويات أقل من الغشلميس حسين

يشهد ملف الامتحانات في سوريا هذا العام تحوّلاً لافتاً بعد إعلان وزارة الاتصالات عدم اللجوء إلى قطع الإنترنت خلال فترة الامتحانات، والاكتفاء بالاعتماد على تقنيات بديلة لضبط محاولات الغش. 


هذا القرار، الذي يأتي بعد سنوات من الإجراءات القسرية واسعة النطاق، يفتح الباب أمام نقاش أعمق حول طبيعة الغش نفسه: هل هو مشكلة تقنية تُحل بإغلاق الشبكة، أم ظاهرة تربوية ونفسية تتجاوز حدود الوسيلة إلى بنية التعليم وثقافة التقييم وضغوط المجتمع؟


في ظل هذا التحوّل، يصبح من الضروري الاستماع إلى صوت الخبراء في الصحة النفسية والتربية لفهم ما الذي يدفع الطالب للغش، وكيف يمكن للمؤسسات التعليمية أن تعالج جذور المشكلة لا مظاهرها فقط. 


الدكتورة في الصحة النفسية غالية أسعيد، قدمت لـ Syria One رؤية شاملة تربط بين الضغوط النفسية، وثقافة العلامة، ودور الأسرة والمدرسة، وحدود التكنولوجيا في تعزيز النزاهة.


من إيقاف الوسيلة إلى فهم السلوك


تقول د. أسعيد: "الغش لم يعد مرتبطاً فقط بوجود الإنترنت أو غيابه، بل أصبح ظاهرة أكثر تعقيداً تتداخل فيها التكنولوجيا والسلوك البشري معاً".


مبينة أن هذا التحوّل يبتعد عن الحلول الشاملة، ويتجه نحو أدوات أكثر دقة واستهدافاً، وهو يعكس إدراكاً بأن المشكلة ليست في الوسيلة بقدر ما هي في الدافع، وأن ضبط الامتحانات لم يعد ممكناً عبر إجراءات قسرية فقط، بل عبر فهم الضغوط التي تدفع الطالب للغش. 


وتؤكد أن القرار الجديد ينسجم مع هذا الفهم، ويكشف انتقالاً من عقلية "منع الوصول" إلى عقلية "فهم السلوك"


التكنولوجيا بين الردع والتحايل


الاعتماد على تقنيات بديلة لضبط الامتحانات يفتح الباب أمام سؤال مركزي: هل التكنولوجيا تعزز النزاهة أم تخلق تحايلاً جديداً؟


د.أسعيد ترى أن التكنولوجيا يمكن أن تكون فعالة، لكنها ليست حلاً سحرياً، وتقول: "التكنولوجيا يمكن أن تردع بعض أشكال الغش لكنها لا تستطيع بمفردها أن تصنع ثقافة أخلاقية".


التاريخ التعليمي يثبت أن كل وسيلة ضبط تخلق وسيلة مضادة، وأن الاعتماد الكامل على الرقابة الرقمية قد يمنح المؤسسات شعوراً زائفاً بالأمان. 


النزاهة، كما تشير الأبحاث، لا تُبنى بالكاميرات بل بالقناعة الداخلية بأن النجاح قيمة معرفية لا رقمية، وهنا يصبح قرار الوزارة خطوة تقنية تحتاج إلى غطاء تربوي وأخلاقي كي لا تتحول إلى مجرد تحديث في أدوات الرقابة.


ثقافة العلامة


في سوريا، ما تزال ثقافة الامتحان محكومة بفكرة العلامة بوصفها معيار القيمة الوحيد، هذا التركيز المفرط يحوّل الامتحان إلى معركة مصيرية، ويجعل الغش بالنسبة لبعض الطلاب وسيلة للبقاء لا مخالفة أخلاقية.


د.أسعيد توضّح لـ Syria One أن المشكلة ليست في رغبة النجاح، بل في اختزال قيمة الطالب في رقم واحد، وهو ما يرفع ضغط الأداء ويزيد احتمالات السلوكيات غير الأخلاقية. فعندما يشعر الطالب أن مستقبله كله معلّق على نتيجة واحدة، يصبح الغش خياراً نفسياً قبل أن يكون خياراً تقنياً، وهنا يتقاطع القرار الوزاري مع الواقع التربوي: "لا يمكن لأي تقنية أن تعالج ثقافة ترى في العلامة خلاصاً وفي الامتحان تهديداً"


القلق بوصفه بوابة للغش


الاستعداد النفسي للطلاب قبل الامتحان يلعب دوراً حاسماً في ميلهم للغش، فالطالب الواثق بقدراته أقل ميلاً للتحايل، بينما الطالب الذي يواجه قلقاً متراكماً أو خوفاً من خيبة الأهل يصبح أكثر عرضة للبحث عن مخرج غير مشروع.


د.أسعيد تشير إلى أن المقارنات المستمرة، وضعف الثقة بالنفس، والشعور بأن الجهد لن يكون كافياً، كلها عوامل تزيد احتمالية الغش، في المقابل، الدعم النفسي وتنظيم الدراسة وتقبّل الخطأ كجزء من التعلم تخفف هذا الميل. 


هذا البعد النفسي يوضح أن ضبط الامتحانات لا يمكن أن يكون تقنياً فقط، لأن جذور المشكلة عاطفية وسلوكية.


الأسرة.. القدوة قبل النصيحة


دور الأسرة في تعزيز النزاهة يبدأ قبل الامتحان بسنوات، لأن الأبناء يتعلمون القيم من السلوك اليومي لا من الوعظ، وعندما يرى الطالب أن الصدق قيمة تُمارس داخل المنزل، تصبح النزاهة جزءاً من تكوينه.


حيث أكدت د.أسعيد أن بعض الطلاب يغشون خوفاً من رد فعل الأهل أكثر من خوفهم من العقوبة المدرسية، وأن بيئة تسمح بالخطأ تقلل الحاجة النفسية للغش، هذا البعد الأسري يضع مسؤولية كبيرة على المجتمع، ويكشف أن التكنولوجيا مهما تطورت لن تستطيع تعويض غياب القدوة.


العدالة بوصفها خط الدفاع الأول


المدرسة قادرة على خلق بيئة امتحانية تقلل التوتر وتحد من الغش دون إجراءات عقابية أو تقنية، فوضوح التعليمات، الأسئلة التي تقيس الفهم، والتواصل الإيجابي قبل الامتحان، كلها عناصر تخفف القلق وتزيد الالتزام.


وتشير د.أسعيد إلى أن شعور الطالب بالعدالة داخل المدرسة يرتبط بانخفاض واضح في السلوكيات غير الأكاديمية، وعندما يشعر الطالب بأن الامتحان منصف، تقل حاجته للتحايل، هذا يضع المؤسسات التعليمية أمام مسؤولية بناء مناخ عادل قبل بناء نظام رقابي.


إعادة تعريف معنى التعلّم


الحلول التربوية الحقيقية لا تبدأ من الامتحان بل من إعادة تعريف الهدف من التعليم، فالانتقال من الحفظ إلى المهارة، ومن النتيجة إلى مسار التعلم، ومن التقييم الواحد إلى التقييم المتنوع، كلها خطوات تعيد بناء علاقة صحية بين الطالب والمعرفة.


الأنظمة التي تعتمد على الفهم العميق كما تبين د.أسعيد تسجل مستويات أقل من الغش، لأن الطالب يشعر أن المعرفة قيمة بحد ذاتها، وعندما يصبح الامتحان فرصة لا تهديداً، تتراجع الحاجة للغش تلقائياً.


في هذا السياق، يبدو قرار وزارة الاتصالات خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه يظل جزءاً من منظومة أكبر تحتاج إلى إصلاح تربوي وثقافي ونفسي متكامل.


مقالات ذات صلة

التخصص الجامعي.. رغبات حقثقية أم "برستيج"؟.. باحثة لـ Syria One: النتائج ستكون عكسية على المستوى المهني

التخصص الجامعي.. رغبات حقيقية أم "برستيج"؟.. باحثة لـ Syria One: النتائج ستكون عكسية على المستوى المهني

"بدنا تبيّض وجهنا قدام الناس".. بهذه العبارة البسيطة، يتحدد مستقبل الكثير من الطلاب السوريين بمجرد صدور نتائج البكالوريا (الشهادة الثانوية)، فقرار التخصص الجامعي، لا يخص الطالب وحده
39
كريزي فروغ غنى لكأس العالم 2006 الذي استضافته ألمانيا

كريزي فروغ غنى لكأس العالم 2006 الذي استضافته ألمانيا

خلال كأس العالم 2006 الذي استضافته ألمانيا، قدّم "كريزي فروغ" أغنية مخصصة للمسابقة لاقت رواجاً واسعاً في بلدان عدة حول العالم
43
احتجاجات في معبر نصيب.. مصدر من المعبر لـ Syria one: مطالب بتطبيق المناقلة.. والحركة التجارية لم تتأثر

احتجاجات في معبر نصيب.. مصدر من المعبر لـ Syria one: مطالب بتطبيق المناقلة.. والحركة التجارية لم تتأثر

شهد محيط معبر نصيب الحدودي بين سوريا والأردن أمس حالة من التوتر، عقب اندلاع احتجاجات نفذها عدد من سائقي الشاحنات السوريين، على خلفية دخول سائقين أردنيين إلى الأراضي السورية، ما أثار استياء بين السائقين السوريين وتسبب في حدوث ازدحام ملحوظ في المنطقة المحيطة بالمعبر
125
الكراهية في وسائل التواصل.. عامل تفكيك اجتماعي والمراهقون أكثر تأثراً

الكراهية في وسائل التواصل.. عامل تفكيك اجتماعي والمراهقون أكثر تأثراً

تحوّلت منصات التواصل الاجتماعي في سوريا إلى ساحة مفتوحة لخطابات التحريض والكراهية، تُطلق فيها الاتهامات والانقسامات بسهولة، وتنتشر فيها الشائعات بسرعة تفوق قدرة المجتمع على امتصاصها
223
دور السينما في السعودية تسجل إيرادات بلغت نحو 38.1 مليون ريال

دور السينما في السعودية تسجل إيرادات بلغت نحو 38.1 مليون ريال

سجّلت دور السينما في المملكة العربية السعودية خلال الأسبوع الرابع من مايو/أيار المنصرم إيرادات بلغت نحو 38.1 مليون ريال، عبر بيع أكثر من 744 ألف تذكرة
67
سيرياون إعلان 7