هل الحوار في الدراما عبارة عن كلمات تتبادلها الشخصيّات؟ أم هو الأداة التي تكشف دواخلها، وتبني الصراع، وتدفع الأحداث إلى مصيرها؟ وهل صحيح أن جودة أيّ مسلسل تُقاس بعدد الجمل المؤثّرة أو الاقتباسات المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي؟ أم الصحيح هو قدرة الحوار على قول الكثير بأقلّ عدد ممكن من الكلمات؟
يلحظ المتابع للدراما العربيّة في السنوات الأخيرة ظاهرةً تستحقّ التوقف عندها؛ فالحوار أصبح في كثير من الأعمال أقرب إلى الشرح والتفسير، بينما تراجع ذلك النوع من الكتابة الذي يمنح المشاهد متعة الاكتشاف والاستنتاج.
الحوار ليس شرحاً
من أبرز الأخطاء التي يقع فيها بعض كتّاب الدراما الخلط بين الحوار والشرح؛ فالحوار الحقيقي يفترض أنّ الشخصيّات تتحدّث لأنها تملك هدفاً أو رغبة أو خوفاً أو محاولة للتأثير في الطرف الآخر. أمّا الشرح، فيحدث عندما تتوقف الشخصيّة عن أن تكون إنساناً داخل المشهد، لتكون وسيلة ينقل الكاتب من خلالها المعلومات إلى الجمهور.
في هذه العلّة المنتشرة في قسم كبير من مسلسلاتنا، يسمع المشاهد شخصيّات تقول ما تعرفه أصلاً، أو تشرح أحداثاً شاهدها قبل دقائق، أو تصف مشاعرها بصورةٍ مباشرة، وكأن النص لا يثق بقدرة الجمهور على فهم ما يجري! وهنا يفقد الحوار أهمّ وظائفه، لأنه يصبح تقريراً لا دراما.
متعة الاستنتاج
يُعدُّ احترام ذكاء المشاهد من أهمّ عناصر الكتابة الدراميّة الحديثة، إذّ ليس من الضروري أن تشرح الشخصيّة شعورها بالخوف إذا كان ارتجاف صوتها، أو صمتها، أو نظراتها، أو تصرّفاتها قادرة على إيصال ذلك.
كما ليس مطلوباً إخبار الأب ابنه أنه غاضب، إذا كان بناء المشهد يسمح للجمهور باستنتاج هذا الغضب من خلال السلوك. فالدراما الجيّدة تجعل المشاهد شريكاً في إنتاج المعنى، بينما الدراما التي تشرح كلّ شيء تحرمه من متعة الاكتشاف.
ولهذا كثيراً ما يتذكر الجمهور مشاهد صامتة أو مقتضبة أكثر من تذكره صفحات طويلة مُرهقة من الحوار، لأنّ ما يشارك هو في استنتاجه يبقى في الذاكرة أكثر مما يُملى عليه مباشرةً.
كانت الشخصيّات تتحدّث بلغتها الخاصّة
إذا عدنا إلى عددٍ من الأعمال العربيّة الكلاسيكيّة، سنجد أن لكلّ شخصيّة لغتها الخاصّة.
لم يكن المثقف يتحدّث كالعامل، ولا رجل القانون يشبه البائع، ولا المرأة الريفيّة تستخدم المفردات نفسها التي تستخدمها سيّدة في المدينة.
كانت اللغة امتداداً للخلفيّة الاجتماعيّة والتعليميّة والنفسيّة لكلّ شخصيّة، ولذلك كان المشاهد يستطيع أحياناً معرفة المتحدّث من الجملة وحدها، حتّى قبل إظهار صورته.
لكن في المقابل اليوم، تعاني بعض الأعمال الحديثة من مشكلة واضحة، إذ تبدو الشخصيّات وكأنّها تتحدّث جميعاً بصوت الكاتب نفسه. تتشابه المفردات، والإيقاع، وحتّى طريقة إطلاق النكات أو الحكم، فتفقد الشخصيّات جزءً كبيراً من فرادتها.
وهذه ليست مشكلة لغويّة فحسب، بل مشكلة دراميّة، لأنّ الشخصيّة تُعرَّف بما تقوله، وبالطريقة التي تقوله بها، تماماً كما تُعرَّف بما تفعله.
الثرثرة ليست حواراً
لا بدّ من الإشارة أيضاً إلى أبرز الظواهر التي اتّضحت في بعض المسلسلات المعاصرة، وهي الميل إلى الإطالة غير الضروريّة.
فتمتدّ المشاهد الحواريّة لدقائق طويلة، بينما يمكن إيصال الفكرة نفسها بجمل أقلّ ومواقف أكثر قوّة. الإيجاز ليس فقراً في الكتابة، بل دليل على الثقة بالنص وبالممثّل وبالمخرج. أمّا الإكثار من الكلام، فيؤدّي أحياناً إلى إبطاء الإيقاع، وإضعاف التوتّر الدرامي، وتشتيت انتباه المشاهد. ولذلك، كثيراً ما تكون الجملة التي لا تُقال أكثر تأثيراً من عشر جمل تُقال.
بين الأمس واليوم
بالتأكيد لم تكن الدراما العربيّة القديمة مثاليّةً، وأيضاً لا يمكن وصم كلّ الأعمال الحديثة بالمشكلة نفسها. فلكلّ مرحلة أعمالها القويّة وأعمالها الضعيفة. لكن المقارنة تكشف تحوّلاً ملحوظاً في طبيعة الحوار.
ففي كثير من الأعمال الكلاسيكيّة، كان الكاتب يراهن على التلميح، وعلى الصراع الداخلي، وعلى ترك مساحة للمشاهد كي يفسّر ويحلل. أمّا في بعض الأعمال الحديثة، فقد أصبح هناك ميل إلى التصريح المباشر، وإعادة المعلومات، وشرح الدوافع بصورة تُفقد المشهد شيئاً من حيويّته.
وقد يكون لهذا الانتقال أسباباً متعددة، منها تسارع وتيرة الإنتاج، والرغبة في مخاطبة جمهور واسع، وتأثير المنصّات الرقميّة التي تشجع أحياناً على الإيقاع السريع والرسائل الواضحة. لكن هذه العوامل لا تعني أن الحوار الذكي لم يعد ممكناً، بل تعني أن الحفاظ عليه يتطلّب وقتاً وعناية أكبر في الكتابة.
الحوار الذي يبقى
لنتذكر بأنّ الحوار العظيم ليس ذلك الذي يصفّق له المشاهد لحظة سماعه، بل الذي يكتشف معناه الكامل بعد انتهاء المشهد.
إنّه الحوار الذي يكشف الشخصيّة من دون شرحها، ويصنع الصراع من دون خطابة، ويمنح الجمهور فرصة المشاركة بدلاً من الاكتفاء بالتلّقي.
ولعلّ التحدّي الأكبر أمام الدراما العربيّة اليوم ليس ترك شخصيّاتها تتحدّث أكثر، بل بجعلها تقول ما يلزم فقط، وأن تترك لما لا يُقال مساحة تؤدّي دورها في بناء المعنى. فبين الكلمة والصمت، وبين التصريح والتلميح، يولد الحوار الذي يبقى في ذاكرة المشاهد، ويمنح العمل الدرامي عمراً أطول من موسم عرضه.






