في مطلع شهر أيلول 2026، قام وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن بزيارة رسمية إلى العاصمة السورية دمشق، عقد خلالها مباحثات رسمية مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، وافتتح سفارة مملكة الدنمارك في دمشق بعد إغلاق دام 14 عاماً.
ولم تقتصر نتائج هذه الزيارة والمؤتمر الصحفي المشترك على مناقشة خطط العودة الآمنة والطوعية للسوريين المقيمين في الدنمارك للمساهمة في البناء، أو تعزيز التعاون في مجالات التعافي المبكر وإعادة الإعمار وإعادة افتتاح المعهد الدنماركي بدمشق فقط، بل امتدت لتشمل الاتفاق على البدء بإعداد اتفاقية شراكة شاملة تشكل إطاراً للتعاون المستقبلي بين البلدين في مختلف المجالات الاقتصادية والتنموية.
سلة غذاء للمنطقة بأسرها
النقطة الأكثر لفتاً للانتباه تجسدت في تصريح راسموسن بشأن الشراكة الزراعية، حيث أكد استعداد بلاده، بما تمتلكه من خبرات متقدمة وهامة في القطاع الزراعي، لتقديم الدعم واستثمار هذه الخبرات لمساعدة سوريا على استعادة وتفعيل إمكاناتها الكبيرة، مشدداً أن سوريا تمتلك إمكانيات زراعية واقتصادية هائلة تؤهلها لتكون "سلة غذاء للمنطقة بأسرها"، على حد تعبيره.
هذا التصريح لم يُعط حقه الكافي خلال الزيارة ولا بعدها، ورغم أنه لم يأت من باب المجاملة السياسية، بل صيغ لغايات أخرى تتصل بالمتغيرات العالمية والحروب وصراعات النفوذ التي أعادت تشكيل خرائط سلاسل الإمداد الغذائي، إلا أنه يضع موقع سوريا وبيئتها الزراعية في صلب الخريطة العالمية إذا ما استُثمر تنوعها بالشكل الأمثل.
وهنا يبرز التساؤل الجوهري حول الإمكانيات الكامنة التي دفعت المسؤول الدنماركي لهذا التوقع، والمقومات التي تمتلكها سوريا حالياً، إلى جانب المتطلبات الكفيلة بتحقيق هذا النمو الزراعي.
مقومات فريدة ومتطلبات النهوض
تستند سوريا إلى مقومات جغرافية وطبيعية وبشرية فريدة، إذ تحتوي على ملايين الهكتارات من الأراضي القابلة للزراعة، وتتصدرها مناطق استراتيجية كمنطقة الجزيرة السورية، التي تُعد خزان الإنتاج الأبرز للحبوب كالقمح والقطن. كما تحظى بتنوع في المصادر المائية تاريخياً بوجود أنهار الفرات والعاصي ودجلة، وشبكة واسعة من المياه الجوفية والينابيع والبحيرات في الشمال والساحل.
هذا التنوع المناخي والجغرافي يتيح إنتاج تشكيلة واسعة من المحاصيل الاستراتيجية والخضروات والفواكه والمحاصيل الصناعية طوال العام، تسانده قاعدة ضخمة من الثروة الحيوانية والخبرة المتراكمة لدى الفلاحين السوريين في إدارة الأراضي والإنتاج التقليدي والمكثف.
ولتحويل التوقع الدنماركي إلى واقع، يتطلب الأمر تلبية متطلبات أساسية، على رأسها إعادة تأهيل البنية التحتية المدمرة من شبكات ري كبرى وسدود ومحطات ضخ، وإدخال التكنولوجيا الحديثة عبر الاستفادة من الخبرات الدولية كمحور الشراكة مع الدنمارك في تقنيات الزراعة الذكية وإدارة المياه والأسمدة والبذور عالية الجودة لمواجهة التغير المناخي والجفاف.
كما يشمل ذلك تأمين مستلزمات الإنتاج والطاقة من وقود وكهرباء لتشغيل معدات الري والجرارات بأسعار مناسبة، ودعم الاستقرار لتسهيل عودة الفلاحين النازحين وتوفير التمويل لمشاريع التعافي المبكر.
مؤشرات التعافي لعام 2026
تشير أحدث بيانات المنظمات الدولية كمنظمة "الفاو" ووزارة الزراعة السورية لعام 2026 إلى أن القطاع الزراعي يمر بمرحلة انتقالية حرجة تتخللها خطط استراتيجية طموحة للتعافي.
فعلى صعيد القمح، المحصول الاستراتيجي المتركز في الجزيرة السورية، كانت المؤسسة العامة للحبوب أعلنت أن إجمالي الكميات المستلمة من القمح للموسم الحالي 2026 وصل إلى 2.7 مليون طن، بزيادة 150 ألف طن عن حاجة سوريا السنوية من القمح البالغة 2.55 مليون طن، بعد أن سجل الإنتاج خلال موسم عام 2025 نحو 934 ألفا و183 طنا فقط، والذي شهد جفافاً حاداً.
وبالنسبة لموسم الشعير فقد بلغت المساحة المخططة لزراعة محصول الشعير نحو 1.4 مليون هكتار - بحسب بيانات وزارة الزراعة - منها 100 ألف هكتار مروي، و 1.3 مليون هكتار بعلي، ولاحقاً بلغت المساحة المنفذة نحو مليون هكتار بنسبة تنفيذ 86%، معظمها مزروعة في الأراضي البعلية، ولكن لم تُصدر وزارة الزراعة السورية رقماً رسمياً موحداً ونهائياً لإجمالي إنتاج الشعير بالطن على مستوى البلاد كاملة لموسم 2026.
ويعود ذلك إلى أن الدولة لا تفرض استلاماً إلزامياً للشعير مثل محصول القمح، مما جعل معظم الإنتاج يُباع مباشرة في السوق الحرة للتجار أو يُستهلك كأعلاف داخلية للمواشي دون توثيق مركزي دقيق.
فيما يتميز إنتاج قطاع الخضروات في سوريا بالتنوع الجغرافي والمناخي الفريد الذي يسمح بتوزيع زراعة المحاصيل على مدار العام.
وتشكل المناطق الأربعة (غوطة دمشق، سهل الغاب، درعا، والساحل) الركائز الأساسية للأمن الغذائي السوري وإنتاج الخضار للاستهلاك المحلي والتصدير، من خلال إنتاج يتراوح بين 4 و5 ملايين طن على مساحة 250 إلى 350 ألف هكتار.
كما تُعد شجرة الزيتون ركيزة للأمن الغذائي والتصدير، حيث بلغ إنتاج الزيتون حوالي 600 ألف طن للموسم الماضي بحسب بيانات وزارة الزراعة، التي قدرت كميات زيت الزيتون المستخلص بحوالي 65 ألف طن، فيما تبلغ المساحة المزروعة بـ 510 آلاف هكتار تضم 100 مليون شجرة.
في المقابل، شهد إنتاج القطن تراجعاً في المناطق التي يزرع بها وخاصة في الحسكة والرقة، إلى حوالي 79 ألف طن للموسم الحالي، على مساحة تبلغ حوالي 26.5 ألف هكتار.
ووفق استراتيجية وزارة الزراعة فهناك مساعي لإدخال أصناف محسنة مقاومة للجفاف والتحول تدريجياً نحو الزراعة الذكية مناخياً، رغم تحديات تفتت الحيازات، وأزمة التمويل ومستلزمات الإنتاج، وارتفاع نسب الهدر في سلاسل التوريد بين 25% - 40%، ومع ذلك يتم الرهان على استعادة المساهمة التقليدية للزراعة في الناتج المحلي وصادرات البلاد.
أبعاد تنموية إنتاجية استثنائية
إن القراءة التنموية الشاملة للقطاع الزراعي تتجاوز حصر الزراعة في مفهوم الغذاء المباشر، وهو ما يؤكده الخبير التنموي ومؤسس "مبادرة المشاريع الأسرية السورية" أكرم العفيف في حديثه لـ Syria One، موضحاً بأن الزراعة تمتد إلى مجالات أوسع.
فعلى سبيل المثال، يظهر حصر النباتات الطبية والعطرية امتلاك سوريا لـ 3.600 نوع من الأعشاب الطبية، ويكفل العمل على هذه النباتات، توفير آلاف فرص العمل، بدءاً من خدمة الأرض والقطاف وصولاً إلى استخراج المادة الفعالة لاستخدامها في المنتجات الطبية والتجميلية والدوائية المعدة للتصدير والسوق المحلي.
وهذا يثبت أن الزراعة في سوريا تُشكل مدخلاً لصناعات وأدوية ومستحضرات متعددة، وأن سوريا مؤهلة لتكون أكثر من مجرد سلة غذاء لأكثر من 5 مليون أسرة سورية.
ويتصل هذا الطرح بالنمط الاستهلاكي والثقافة السورية التي تتجلى فيها تجربة تنموية فريدة، ففي حين يطعم الغني الفقير في معظم دول العالم، نجد في سوريا أن الفقير هو من يطعم الغني.
ويمكن التعرف على الأسر الفقيرة عبر تنوع طبق طعامها المنتج ذاتياً من زبدة وشنكليش وقريشة وألبان وأجبان وبيض بلدي وخضار طازجة، قادمة من تربيتها للأبقار والدواجن وزراعتها للحقول.
وهو ما يلخصه العفيف بقوله: "إذا أردت أن تعرف فضل الفلاح بعد الله عليك، فانظر إلى الطعام الذي بين يديك". ولأن الخبز يرتبط أساساً بوجبة الطعام السورية، فإن سلامة القطاع الزراعي تعد المؤشر الحقيقي لسلامة البلد ككل، فإذا كانت الزراعة بخير، فسوريا بخير.
الحل بالزراعات التعاقدية
أما على صعيد تنظيم الإنتاج، يرى العفيف أن التوجه التنموي يعتمد على ربط الإنتاج الأسري بالإنتاج العام، وعلى سبيل المثال، بدلاً من استغراق سنوات وطاقات مالية ضخمة لإنشاء مزارع أبقار عملاقة، يمكن الوصول إلى عشرات أو مئات الآلاف من الأبقار والبدء بالإنتاج خلال 24 ساعة فقط عبر تزويد الأسر المساندة بقروض ميسرة وإدارة محكمة، مستفيدين من البنية التحتية والخبرات الجاهزة لدى المربين.
مؤكداً بأن الانتقال بالمشاريع الأسرية نحو أفاق الزراعة التعاقدية والصناعة التعاقدية لصالح جهات محددة سواء كانت محلية أو دولية، وبمواصفات قياسية، يمثل المفتاح الأساسي للتعافي الاقتصادي والمعيشي والتنموي.
معتبراً في ختام حديثه لـ Syria One أن وزير الخارجية الدنماركي دقيق وحاد الذكاء في ملاحظته للإمكانيات الزراعية في سوريا، متمنياً أن يكون لدينا وزراء يشبهونه في تفكيرهم لأهمية هذا القطاع الحيوي الهام جداً، مضيفاً "أنا شخصياً أؤمن منذ زمن طويل، بأن سوريا لا يوجد ما ينقذها إلا الزراعة فهي بلد زراعي بامتياز، والله أعطاها هذه الأرض الخيّرة المنتجة.






