في السنوات الأخيرة، أصبحت أخبار الانفصال تتكرر بشكل لافت في المجتمع السوري، والمحاكم تسجل أرقاماً كبيرة لحالات الطلاق، لكن المفارقة الحقيقية لم تعد تقتصر على الارتفاع المستمر لنسب الانفصال، بل في الطريقة الجديدة التي بدأت تظهر للعلن، وهي تحول نهاية الزواج لدى البعض من مناسبة للصمت، إلى "حفلات طلاق" علنية بقوالب حلوى وموسيقى على منصات التواصل الاجتماعي.
وفي حديث لـ Syria One، توضح الأخصائية والباحثة الاجتماعية غدران نجم، أن الطلاق ليس ظاهرة ذات سبب واحد، بل عادة ما تتضافر فيه عوامل متعددة، مضيفة: "تشير الدراسات الأسرية إلى أن أبرز الأسباب تكمن في ضعف مهارات التواصل بين الزوجين وحل الخلافات، إلى جانب تراكم الضغوط دون دعم من المحيط، فضلاً عن تغير توقعات الزواج، فالأجيال الجديدة باتت تتوقع من الزواج شراكة وتفاهماً عاطفياً، بينما تربى كثير من الأزواج على أدوار تقليدية جامدة، يضاف إلى ذلك عوامل الزواج المبكر أو غير المدروس، وتدخل الأطراف الخارجية فيه، تزامناً مع تراجع وصمة الطلاق نسبياً في مجتمعاتنا، وتحسن استقلال المرأة الاقتصادي، ما جعل الاستمرار في زواج مؤذٍ خياراً غير مفروض".
وحول العامل المادي، تذكر الخبيرة أن "الفقر يعد سبباً من أسباب الطلاق ولكنه عامل ضغط وليس سبباً مباشراً، ويفسر (نموذج ضغط الأسرة) ذلك بأن الضائقة المالية ترفع التوتر والغضب وتضعف الدعم المتبادل بين الزوجين، فتزداد النزاعات، ولذلك تتكرر في الدراسات العربية والدولية علاقة البطالة وعدم القدرة على الإنفاق بارتفاع الخلافات والانفصال، ومع ذلك، تصمد أسر فقيرة كثيرة بفضل التماسك والتواصل الجيد، وتنهار أسر ميسورة بسبب غياب الحوار، فالفقر يضخم الهشاشة الموجودة ولا يصنعها وحده".
حفلات الطلاق.. قناع نفسي وإعلان تمرد
وتتباين الآراء في الشارع السوري، حول ظاهرة الاحتفال بـ "الطلاق" المستحدثة بين مؤيد يراها حقاً شخصياً، ومعارض يجد فيها استخفافاً بقدسية العائلة، حيث يرى المؤيدون أن الحفلة هي نوع من الدعم النفسي للمرأة بعد تجربة زواج فاشلة أو مؤذية، وبمثابة إعلان شجاع لبداية حياة جديدة وتجاوز للوصمة الاجتماعية التي تلاحق المطلقة عادة، حيث تعتبر إحدى الشابات في حديث لـSyria One أن "الاحتفال ليس بخراب البيوت، بل بالخلاص من علاقة سامة واستعادة الحرية والكرامة".
في المقابل، يرفض شريحة واسعة من السوريين هذا السلوك، معتبرين أن الطلاق، وإن كان حلاً ضرورياً أحياناً، يبقى حدثاً حزيناً ولا يجوز تحويله إلى مدعاة للفخر والاستعراض، ويرى منتقدو الظاهرة أن "هذه الحفلات تروج لثقافة الاستسهال بالانفصال، وتؤذي مشاعر الأطفال الذين يجدون أنفسهم ضحية لاستعراض يبتهج بـتفكك أسرهم".
و"حفلات الطلاق"، هي تجمعات احتفالية تقيمها مطلقة مع أهلها وصديقاتها، وتقول عنها الباحثة: "لدى البحث فيها نجد أنها ظاهرة بدأت في الغرب ثم انتقلت إلى مجتمعاتنا عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وللأمانة، هي ليست مجرد (ترند) وإن كان التقليد والتصوير يغذيانها، بل إنها ذات دوافع نفسية واجتماعية".
ومن هذه الدوافع، بحسب نجم، أن المطلقة في مجتمعاتنا تُحاسب غالباً، فيصبح الاحتفال إعلاناً بأن الطلاق ليس عاراً، كما أن الإنسان يحتاج إلى طقس يعلن نهاية مرحلة ما كما في الزواج والوفاة، والمرأة بالتحديد تحتاج إلى شعور بأنها ليست وحدها وأن حياتها مستمرة، وغالباً ما تلجأ المرأة للحفلة حين يغيب التقبل في البيئة المحيطة، مضيفة: "وبالطبع لا يمكن إغفال أثر الإعلام، فالظهور على المنصات يحول التجربة الخاصة إلى سلوك مقلَّد".
وتؤكد الباحثة أنه "لا يمكن إنكار أن الطلاق خسارة وإن كان قراراً صحيحاً أحياناً، وللحزن عليه حق، والاحتفال قد يخفي مشاعر حقيقية من ألم وغضب وقلق على المستقبل، فتحتاج صاحبتها إلى مساحة آمنة للتعبير عنها، وتكمن خطورة هذه الحفلات في أن تُقدّم كاحتفال بانهيار الأسرة، خصوصاً بوجود أطفال، أو أن تتحول إلى استعراض يطبّع الطلاق ويستخف بتبعاته".
وتختتم الباحثة كلامها، مشيرة إلى أن للوقاية في هذا الموضوع أهمية كبيرة، من حيث تأهيل المقبلين على الزواج، تعزيز مهارات الحوار، توفر الإرشاد الأسري، وتخفيف الضغوط الاقتصادية، أما بعد وقوع الطلاق، فيجب الحفاظ على كرامة الطرفين ومصلحة الأبناء، وتقديم دعم نفسي واجتماعي حقيقي للمطلقين والمطلقات دون وصمة، أو احتفال مبالغ فيه.






