مجتمع

الكراهية في وسائل التواصل.. عامل تفكيك اجتماعي والمراهقون أكثر تأثراً

481
الكراهية في وسائل التواصل.. عامل تفكيك اجتماعي والمراهقون أكثر تأثراًلميس حسين

تحوّلت منصات التواصل الاجتماعي في سوريا إلى ساحة مفتوحة لخطابات التحريض والكراهية، تُطلق فيها الاتهامات والانقسامات بسهولة، وتنتشر فيها الشائعات بسرعة تفوق قدرة المجتمع على امتصاصها. 


هذا الواقع، كما تراه الباحثة النفسية والمستشارة الأسرية عزة كردي، لم يعد مجرد ظاهرة رقمية، بل أصبح عامل تفكيك اجتماعي مباشر يضرب ما تبقى من الروابط بين السوريين.


شرخ اجتماعي يتعمّق


توضح كردي لـ Syria One أن حملات التحريض عبر السوشال ميديا تُحدث تأثيراً اجتماعياً فورياً، لأنها تستهدف نقاط الضعف في مجتمع يعيش أصلاً تحت ضغط اقتصادي ونفسي وسياسي كبير.


وتقول إن هذا الخطاب يعيد إنتاج الانقسام، ويُضعف الثقة بين المكوّنات، ويخلق شعوراً عاماً بالخطر من الآخر، ما يجعل أي حدث صغير قابلاً للاشتعال لتحويله إلى صراع رمزي أو فعلي.


المراهقون… الفئة الأكثر هشاشة


تعتبر كردي أن المراهقين هم الأكثر عرضة للتأثر بخطاب الكراهية، لأنهم في مرحلة بناء الهوية والانتماء، ويبحثون عن الاعتراف والقبول داخل مجموعاتهم.


وتشرح بقولها إن المراهق لا يمتلك بعد الأدوات النقدية الكافية لتمييز الخطاب الموجّه أو المضلل، فيتلقّى الرسائل العدوانية كحقائق، ويعيد إنتاجها في سلوكه اليومي.


هذا التأثر لا يبقى افتراضياً، بل ينعكس على شكل انحيازات حادة، لغة عدوانية إضافة لشعور بالتفوّق أو الضحية وانتماءات متشنجة، كما يتكون لديه استعداد أكبر للدخول في صراعات رمزية أو فعلية



كيف يُشحن الفرد بالكراهية؟


من منظور علم النفس الاجتماعي، تشرح كردي أن خطاب التحريض يعمل عبر آليات نفسية معروفة منها التخويف اي خلق صورة تهديد دائم من "الآخر"، والتجريد من الإنسانية كتصوير فئات معينة على أنها أقل قيمة والتكرار بحيث تتحول الفكرة العدوانية إلى قناعة إضافة للعدوى الانفعالية التي تؤدي لانتشار الغضب والخوف بين المجموعات بسرعة.


وتضيف كردي أن هذه الآليات تدفع الأفراد لتبنّي مواقف أكثر تطرفاً، لأنهم يشعرون أنهم في معركة وجودية، لا في خلاف اجتماعي طبيعي


دور الأسرة والمدرسة والمجتمع


ترى كردي أن البيئة المحيطة قادرة على تعزيز أو كبح تأثير خطاب الكراهية.


فالأسرة التي تعيد إنتاج خطاب التحريض داخل المنزل تخلق دائرة مغلقة من التطرف، بينما الأسرة التي تفتح مساحة للحوار والنقاش تساعد أبناءها على بناء مناعة نفسية.


أما المدرسة، فتتحمل مسؤولية تعليم مهارات التفكير النقدي، وتعزيز قيم التعددية، وتدريب الطلاب على التعامل مع المحتوى الرقمي بوعي، ويكون المجتمع المحلي قادراً على خلق بيئة آمنة تُقلّل من فرص انتشار السلوكيات العدوانية.


من الكراهية الرقمية إلى العنف الواقعي


تؤكد كردي وجود ارتباط واضح بين انتشار خطاب الكراهية على السوشال ميديا وارتفاع السلوكيات العدوانية بين الشباب، سواء على شكل تنمّر، عنف رمزي ، إقصاء اجتماعي

أو حتى اعتداءات مباشرة.


مشيرة إلى أن العنف يبدأ رمزياً، ثم يتحول إلى ممارسة فعلية عندما يشعر الفرد أن سلوكه العدواني مبرر ومقبول ضمن مجموعته الرقمية


كيف نواجه هذا الخطر؟


تقترح كردي في حديثها لـ Syria One مجموعة خطوات عملية للحد من تأثير حملات التحريض كتعزيز التربية الإعلامية داخل المدارس وتدريب الأهالي على مراقبة المحتوى دون قمع، إضافة لإطلاق حملات توعية مضادة للكراهية وخلق مساحات حوار آمنة بين المراهقين.


كما تؤكد على أهمية تشجيع منصات التواصل على ضبط المحتوى التحريضي، وتعزيز دور المجتمع المدني في رصد الخطاب المتطرف، مبينة أن المواجهة تبدأ من الاعتراف بأن خطاب الكراهية ليس مجرد كلمات، بل سلوك قابل للانتقال والتجذّر.


في بلد أنهكته الحرب والانقسام، يصبح خطاب الكراهية أكثر من مجرد ظاهرة رقمية إنه تهديد مباشر للنسيج الاجتماعي، ولجيل كامل يتشكّل وعيه داخل فضاء افتراضي غير منضبط.


ورغم خطورة المشهد، ترى الباحثة عزة كردي أن الحل ما زال ممكناً، شرط أن تتكاتف الأسرة والمدرسة والمجتمع والمؤسسات الإعلامية في بناء ثقافة مضادة للكراهية، تعيد للناس ثقتهم ببعضهم وبمستقبلهم.


مقالات ذات صلة

عبّارة النقل المنكوبة في غويانا.. أكثر من 53 ضحية والبحث جار عن المفقودين

عبّارة النقل المنكوبة في غويانا.. أكثر من 53 ضحية والبحث جار عن المفقودين

ارتفعت حصيلة ضحايا حادثة غرق عبّارة النقل الركابية قبالة سواحل العاصمة جورج تاون في غويانا إلى 53 قتيلاً على الأقل، في وقت تتواصل فيه عمليات البحث والإنقاذ للعثور على باقي المفقودين
12
عدد السفن العابرة عبر مضيق هرمز يتراجع أكثر مع استمرار الحرب 

عدد السفن العابرة عبر مضيق هرمز يتراجع أكثر مع استمرار الحرب 

أظهرت بيانات بقطاع الشحن أن عدد السفن التي تعبر مضيق هرمز انخفض ​أكثر، في ظل استمرار المخاوف الأمنية ‌وسط الهجمات المتواصلة بين الولايات المتحدة وإيران
22
الأمم المتحدة: معدلات الجوع العالمي انخفضت للعام الثالث على التوالي في 2025

الأمم المتحدة: معدلات الجوع العالمي انخفضت للعام الثالث على التوالي في 2025

ذكر تقرير صادر عن الأمم المتحدة أن معدلات الجوع العالمي انخفضت للعام الثالث على التوالي في عام 2025، في ظل تسجيل تحسن في جميع القارات، لكن ​المخاطر المتزايدة الناجمة عن الصدمات المناخية واضطرابات التجارة ربما تهدد تحقيق مزيد من ‌التقدم
25
وول ستريت تنهي تعاملات الأسبوع على انخفاض وسط موجة بيع بقطاع الرقائق

وول ستريت تنهي تعاملات الأسبوع على انخفاض وسط موجة بيع بقطاع الرقائق

وسعت الأسهم الأمريكية خسائرها مع تحول التراجع في الأسهم المرتبطة بطفرة الذكاء الاصطناعي، التي قادت جانبا كبيرا من مكاسب السوق هذا العام، إلى موجة أوسع من العزوف عن المخاطرة
33
المخرج جورج لوكاس: الذكاء الاصطناعي سيجعل صناعة الأفلام أكثر سهولة

المخرج جورج لوكاس: الذكاء الاصطناعي سيجعل صناعة الأفلام أكثر سهولة

أكد المخرج الأمريكي جورج لوكاس أن الذكاء الاصطناعي سيجعل صناعة الأفلام أكثر سهولة، معتبرًا أن استخدام هذه التقنية يمثل جزءًا من تطور الصناعة ولا يمكن تجنبه، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة تحمل المستخدمين مسؤولية ما ينتجونه
50
سيرياون إعلان 7