في أول موسم شاركت أهلي فيه بقطاف موسم الزيتون، سمعت جارنا أبو جابر ينادي من بعيد لأبي بالسؤال "ان شاء للله ما خلصتوا؟"، وحينها انزعجت وخطر ببالي أنه يتمنى لنا ألا ينتهي العمل ويزداد تعبنا، وزاد شكي حين سمعته يقول "إن شاء الله تضلوا شهر بالحواش".
وحين غادر سألت أبي لماذا جارنا يتمنى لنا التعب والإرهاق والعمل لشهر؟ بدل أن يدعو لنا أن ننهي القطاف بيومين ونرتاح؟ فضحك أبي وأوضح لي بأن دعاء "إن شاء الله ما خلصتوا" هي دعوة خير ومعناها أعمق بكثير، فمن يقولها يدعوا لصاحب الأرض بزيادة البركة ورزق يمتد لأيام طويلة.
بحيث لا يستطيع الفلاح أن ينهي قطاف موسم الزيتون بوقت قصير، فكلما طال القطاف فهو بشارة بموسم غني وخير، أما إذا سألت للفلاح "إن شاء الله خلصتوا"، فقد تحمل عبارتك معنى معاكساً، وكأنك تتمنى انتهاء الموسم بسرعة، لأن المحصول قليل ولا يحتاج وقتاً طويلاً للقطاف، وبالتالي لن يحصل الفلاح على حاجته من الزيت والزيتون.
ومنذ ذلك اليوم، أصبح سماع هذا الدعاء مصدر للفرح في قلبي، برغم تعب ومشقة جني المحصول في الجبال الوعرة بريف مصياف.
ولكن مشقة الفلاح لا تقف عند وعورة الأراضي الزراعية، أو انتشار الأمراض في أشجار الزيتون لأسباب متعددة، تبدأ بالتغيرات المناخية، وصولاً لرداءة أنواع المبيدات المتواجدة حالياً بالرغم من ارتفاع أسعارها، لتكتمل المعاناة مع تقلبات أسعار زيت الزيتون، في ظل ارتفاع كافة التكاليف سواء من الفلاحة إلى أجور التقليم وبخ المبيدات، وأسعار الأسمدة وأجور عمال القطاف والمعصرة.
الفلاح رابح على الورق
وهنا يتحدث أبو عبد الله لـ Syria One بأنه قام بقطاف قطعة أرض لديه مساحتها قرابة النصف دونم وفيها 15 شجرة زيتون من النوع الجيد لاستخراج الزيت، وفي يوم عمل واحد تم قطافها وجنى 238 كيلو زيتون، استخرج منها 45.2 كيلو زيت، بنسبة 19% فقط، كون نسبة الزيت أقل هذا العام من الأعوام السابقة نتيجة عدة عوامل، أهمها تأخر النضج.
وبعملية حسابية بسيطة من أبو عبد الله لتكاليف استخراج الزيت، فقد سدد أجرة نقل العمال إلى الأرض 100 ألف ليرة قديمة، وهو وسطي أجور نقل العمال إلى الأرض (ذهاب وإياب).
فيما أجرة 4 عمال قطاف ليوم واحد 280 ألف ليرة قديمة، باعتبار أجرة عامل القطاف 70 ألف ليرة (من 7 صباحاً لـ 1 ظهراً) وهو سعر وسطي، يختلف من منطقة لأخرى.
وأجور نقل الزيتون إلى المعصرة 35700 ليرة، حيث يكلف نقل الكيلو الواحد 150 ليرة، فيما سدد أجرة المعصرة بـ 119 ألف ليرة، حيث تم تحديد تسعيرة المعاصر بـ 500 ليرة في مصياف وريفها، يضاف إليها سعر 3 عبوات لتعبئة الزيت بمجموع 60 ألف ليرة.
وبالتالي فإن مجموع ما دفعه من تكاليف للنقل والعمال والمعصرة قد بلغ 594700 ليرة، وعليه فإن تكلفة كيلو الزيت الواحد بلغت 13105 ليرات، كون أبو عبد الله أنتج 45.2 كيلو زيت، ما يعادل 2 بيدون زيت و13 كيلو زيت.
أي بالمحصلة بلغت تكلفة بيدون الزيت (سعة 16 كيلو) عند أبو عبد الله 210400 ليرة، وفي المعصرة عرضوا عليه شراء بيدون الزيت بسعر 750 ألف ليرة، أي أنه سيحقق ربح يعادل 540 ألف ليرة.
خاسر على الأرض
لكن أبو عبد الله يعترض على حقيقة الربح، مؤكداً أن العملية الحسابية ناقصة، كون الحساب اقتصر فقط على التكاليف النهائية لأيام جني المحصول، ولم يتم حساب التكاليف خلال العام من أجور فلاحة الأرض، وتقليم الزيتون وبخ المبيدات، وشراء السماد، والتي في أحسن الأحوال لا تقل عن مليون ليرة، من دون أن يحسب تعب يده ووقته خلال عام كامل.
وهنا يشدد أبو عبد الله ومعه كل فلاحي الزيتون بأن الربح الفعلي يحققه التاجر كونه يتحكم بالأسواق والأسعار وحركة العرض والطلب.
أما الفلاح فهو خاسر دائماً، لكن أبو عبد الله كما باقي مزارعي الزيتون لا يستطيع الابتعاد عن أرضه وإهمالها، ويبقى على أمل أن يأتي اليوم الذي يدعو له جاره "إن شاء الله ما خلصتوا" وفعلاً يكون الموسم وفير والرزق يعادل تعبه ويحقق أبو عبد الله ولو القليل من الربح الصافي.






