شهدت مدينة دمشق خلال الأيام الأخيرة قراراً لافتاً تمثّل في إلغاء احتفالات الفصح والاكتفاء بالصلوات داخل الكنائس، وذلك على خلفية توترات أمنية شهدتها بعض المناطق السورية، ولا سيما في ريف حماة، وقد أثار هذا القرار اهتماماً واسعاً في الأوساط الاجتماعية والدينية، لما يحمله من دلالات تتجاوز الطابع الديني إلى أبعاد اجتماعية ونفسية تمسّ حياة السكان في العاصمة.
فلم يكن قرار إلغاء احتفالات الفصح في دمشق حدثاً عابراً، بل ترك أثراً واضحاً في نفوس سكان الأحياء المسيحية، الذين عبّروا عن مشاعر متباينة تراوحت بين الحزن والتفهّم والحنين إلى طقوس اعتادوا عليها منذ عقود.
يقول "جورج" أحد سكان حي باب توما، وهو رجل خمسيني يعمل في محل تراثي: "لم نعتد أن يمرّ الفصح بصمت، الشوارع كانت تمتلئ بالناس، والأطفال يحملون الشموع، هذا العام نشعر وكأن جزءاً من روح الحي غاب".
ويؤكد لموقع Syria one أن الأهالي تفهّموا القرار، لكنهم شعروا بأن غياب الاحتفالات ترك فراغاً اجتماعياً لا يمكن تجاهله.
"أبو إيليا" رجل ستيني يقطن حي باب شرقي، يرى أن السوريين قادرين على التكيف مع أي طارئ إذ يقول: "نحن من سكان هذه المدينة، نعرف معنى الحذر، صحيح أن الفصح هذا العام بلا فرح، لكننا نؤمن أن الفرح مؤجل وليس ملغى، المهم أن يبقى الناس بخير.. الأهالي اعتادوا على الظروف الصعبة، وقادرون على التكيف دون أن يفقدوا روح المناسبة".
وفي حي القيمرية، تحدثت سيدة مسنّة عن أثر القرار على العائلات الدمشقية: "الفصح ليس مجرد عيد ديني، بل مناسبة تجمع العائلة.. الآن سنبقى في البيوت، لكننا نصلّي من أجل السلام".
وترى أن إلغاء الاحتفالات يعكس حجم القلق الذي يعيشه الناس، خصوصاً بعد التوترات الأمنية الأخيرة في بعض المناطق السورية.
الشباب كانوا الأكثر تعبيراً عن مشاعرهم، إذ اعتادوا المشاركة في التحضيرات والأنشطة الكنسية، إذ يقول "رواد" شاب جامعي يقطن حي القصاع: "كنا نخطط لتنظيم نشاطات للأطفال، لكن الظروف أقوى منا، المهم أن يبقى الجميع بخير، الاحتفال يمكن أن يعود، أما الأرواح فلا تعوّض".
ويضيف آخر: "نحن نعيش في منطقة حساسة، وأي تجمع كبير قد يشكل خطراً، الكنيسة اتخذت القرار الصحيح، الاحتفال الحقيقي ليس في الشوارع، بل في قلوبنا".
ويشير بحديثه لموقع Syria one إلى أن كثيراً من الشباب تطوعوا لمساعدة الكنائس في تنظيم الصلوات الداخلية وتقديم الدعم لكبار السن.
كما أكد عدد من الكهنة أن القرار جاء بعد دراسة دقيقة للظروف، وأن الهدف الأول هو حماية المصلين، ويقول أحدهم من كنيسة الزيتون بدمشق: "الاحتفال الحقيقي هو في قلوب المؤمنين، قد نلغي المظاهر الخارجية، لكننا لا نلغي معنى القيامة".
ورغم غياب الزينة والمواكب، شهدت الأحياء المسيحية مبادرات لافتة شملت توزيع وجبات غذائية على المحتاجين، جمع تبرعات للمرضى وكبار السن، مبادرات شبابية لزيارة العائلات التي فقدت معيلها، وهنا تقول "ريتا" من حي باب توما: "إذا لم نستطع أن نفرح في الشوارع، فلنفرح قلوب الناس، هذا أيضاً جزء من معنى الفصح".
يذكر أن بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الملكيين الكاثوليك أعلنت إلغاء احتفالات الفصح في كنائس دمشق لدى الطوائف التي تتبع التقويم الغربي، والاكتفاء بإقامة الصلوات داخل الكنائس، عقب توتر أمني شهدته مدينة السقيلبية بريف حماة، وقد لاقى هذا الموقف احتراماً واسعاً بين الأهالي، الذين رأوا فيه حرصاً على سلامتهم.






