يفرض التطوّر والتقدّم يوماً بعد يوم مجموعة من القوانين على كلّ أشكال ومناحي الحياة. ويتغلغل في مفاصل حياتنا، فيقولبها كما يشاء، و يأخذها على النحو الذي يريد.
ولأن الكثيرين لا يعون خطورة مواكبة التطوّر السلبي والحضارة السلبيّة، يقعون في مطبّات عديدة، والمشكلة الأكبر عندما تكون تلك المطبّات متعلّقة تحديداً بعمليّة التربية، التي هي أساس نشأة الفرد وأساس توازنه النّفسي والإجتماعيّ وأساس انطلاقه الفعّال في المجتمع، وبها ومنها ومن خلالها، يتمّ تكوين شخص بإمكانه أن يكون حقيقيّاً قادراً على التّأقلم والانسجام والتّواصل مع الغير بشكل صحيح.
ليس كل تطور إيجابي
عن مبادئ التربية الصحيحة ومفاهيم الحداثة المشوّهة تواصل موقع Syria One مع الأخصائية الاجتماعيّة سندس برهوم حول تلك الأمور، فقالت إنه بدايةً، يجب تعريف المبادئ الصّحيحة والتي هي مجموعة المفاهيم والقوانين الاجتماعية الإيجابية،كالخير والتعاون، كالمحبة كالإخلاص وغيرها. الخروج عن تلك المبادئ، ليس مواكبة للتطوّر، فليس بالضّرورة أن يكون مسار التطّور صحيحاً، بل علينا دراسة اتّجاه هذا التطوّر، فلو كان يؤدي مثلاً إلى تفكّك الأسرة، فعمليّاً نحن أمام تطوّر سلبي وليس إيجابي، ولو نظرنا إلى الغرب مثلاً، والذي أخذ منحى الفردانيّة في الحياة، والتي أدّت إلى التفكّك الأسري التّام، لا يمكن أن نقول هنا أن هذا التطوّر يعتبر تطوّراً إيجابيّاً أو صحيحاً، وبالتّالي، المبادئ الصحيحة يجب أن تتمتّع بالثّبات، ممّا يجعلها موجودة ومؤثّرة رغم كلّ المتغيّرات ورغم كلّ أشكال التطوّر التي تطرأ على المجتمع، إيجابيّة كانت أم سلبيّة.
تعزيز الثقة أمر أساسي
وتتابع برهوم بأنّ كلمة ما رأيك الموجّهة للطفل في التّربية مهمّة جدّاً، وتساعد في تعزيز ثقة الطّفل بنفسه، وتكوين الشخصيّة الاستقلاليّة، ولكن علينا التّركيز على الأشياء التي بالإمكان ترك حريّة الإختيار له فيها، فمثلاً، من الطّبيعي أن أسأل الطّفل أيّة ألوان يحبّ في الملابس، أو حتّى ماذا يحبّ من الملابس التي يرتديها، وبالتّالي إعطاؤه الحريّة هنا في الاختيار، يتناسب مع عمره ومستوى وعيه وتفكيره، وقد نسأله عن الوجبة المفضّلة لديه، و هناك مجموعة من الأشياء من الطّبيعي جدّاً أن نترك للطّفل حرية الاختيار فيها، أمّا لو ذهبنا أبعد من ذلك، ففي القرارات التي تتطلّب وعياً أكثر ونضجاً وفهماً للحياة، لا يمكن ترك حريّة القرار أو الاختيار للطّفل، بل يجب على الأهل تحديد وتقرير الخيار المناسب. وإضافة إلى ذلك، فحتّى عندما نترك للطّفل حريّة الاختيار، على الأهل تحديد قائمة الخيارات المناسبه له، ومن ثمّ يقوم باختيار إحداها، ففي الوجبات مثلاً قد يختار وجبة طعام غير صحيّة، لذلك الحريّة في الاختيار في الأشياء حتى البسيطة، يجب أن تكون بإشراف مباشر من الأهل.
عادات علينا التمسك بها
وتتابع برهوم حديثها لـ Syria One بأنّ العادات التي تخصّ مجتمعنا العربي لا يمكن اعتبارها كلّها عادات قديمة بالية لا تُقدّم ولا تُؤخّر أو لا داعي للأخذ بها، فهناك عادات عربيّة أصليّة وأصيلة، ومن الواجب المحافظة عليها وتوارثها، فالنّخوة والكرم والشّهامة و صون العرض عادات عربيّة أصيلة لا يمكن ولو للحظة اعتبارها عادات بالية أو إسقاطها أو التخلّي عنها بحجّة أنّها قديمة، على العكس يجب تعزيزها وتوثيقها، والتّأكيد عليها كضرورة مُلحّة، وكعادات مناسبة لكلّ زمان ومكان، بل وتساهم في رفع سويّة المجتمع والفرد الأخلاقيّة.
معضلة السوشال ميديا
وتضيف برهوم عن واقع التّربية الحالي: "يعاني الأهل حاليّاً من تحديّات جدّاً صعبة، وخاصّة بعد سيطرة السوشل ميديا على واقعنا الرّاهن بكل مفاصله، فقد أصبح الأمر معها وبعدها معقّد جدّاً، فلا يمكن مثلاً بعد أن أصبح حتى التّعليم عن طريق الأون لاين، والتّواصل مع الجميع عن طريق الأون لاين، وحتّى البحث عن الأشياء العلميّة والتعليميّة يتم عن طريق مجموعة شبكات التّواصل الاجتماعي، أن تمنع الطّفل من استخدام هذه المواقع، أو إقناعه بأنّها شيء مؤذي وعليه الابتعاد عنه، سيّما وأنّ الطّفل يرى الجميع من حوله يستعينون بالسوشل ميديا ليلاً نهاراً، إما للتّواصل أو للاطّلاع على الأخبار، أو لإيجاد بعض المعلومات حول شيء معيّن.
واقع السّوشل ميديا أصبح أمراً مفروضاً، ومن الصعب جدّاً رفضه أو إيقافه، وهنا تبدأ رحلة معاناة الأهل الذين يجدون صعوبة في التّعامل مع الطّفل الذي يضطّر للّجوء إلى السوشل ميديا التي نعلم كلنا أنها عبارة عن سلاح ذو حدّين، بل لكأنّك معها تقف على حافّة الهاوية، وعلى حين غفلة قد يقع المحظور.
لهذا تحوّل هذا الموضوع إلى صراع حقيقي، ويسعى معظم الأهالي جاهدين لإيجاد الصّيغة المناسبة لتوعية الطفل وتخفيف احتماليّات وقوع الطفل في شرّ السّوشل ميديا، ويلجأ الأغلبيّة إلى ربط جهاز الطّفل مع أجهزة الأهل لمراقبة ما يتابعه بشكل لحظيّ، مخافة أن يدخل أو يرى بعض المواقع والإعلانات المشبوهة التي تؤدي إلى هدم كل ما تم بناؤه من قبل الأهل فيما يتعلّق بعمليّة التّربية الصّحيحة.
وتختم برهوم حديثها لـ Syria One بأن التّربية والتّنشئة عموماً هي عمل شاقّ فعلاً، ونوايا الأهل اتّجاه أطفالهم بكلّ تأكيد دائماً صحيحة، إلا إنّ ترجمة هذه النّوايا أحياناً لا يكون صحيحاً، وبالتّالي يحدث مالا يُرغَب حدوثه.
أهم طريقة للتّعامل الصّحيح مع الأطفال، أن يكون الأهل على دراية تامّة بقواعد وقوانين التّربية، بحيث يكون هناك معرفة حقيقيّة لمراحل تطوّر ونضج الأطفال، مع مراعاة خصوصيّة كل مرحلة، والأخذ بعين الاعتبار الوضع النفسي والعقلي و حتّى الجسدي عند الأولاد.
وعليه، فإن التّواصل الجيّد بين الأهل والأولاد هو الحلّ المثالي لمساعدة الطّفل على السير بخطى صحيحة في الحياة، ومعرفة ماله وما عليه، وجعله كياناً متوازناً قادراً على صنع هوية وجودية فيها من الخير ومن الحسنات والإيجابيات الكثير.






