مجتمع

خبز "التنور".. مهما تبدلت الحياة وتغيرت الظروف.. ستبقى رائحته في البال

37
خبز "التنور".. مهما تبدلت الحياة وتغيرت الظروف.. ستبقى رائحته في البال عبد الرحمن السيد

من جفاف الخابور وتراجع زراعة القطن، إلى انتشار الأفران والاعتماد على الطحين المستورد.. حكاية تراث ريفي يتراجع حضوره، ولا تزال رائحته تسكن ذاكرة أبناء الجزيرة السورية.


والسؤال الفاقع عند كل من يمر في قرى الحسكة: أين اختفت رائحة التنور التي كانت علامة فارقة في حياتنا الريفية؟


حيث كانت لرائحة خبز التنور حكاية تبدأ من الحقل، وتمرّ بفناء البيت أو "حوشه"، حيث تشتعل النار في التنور الطيني، وتنتظر الأرغفة دورها على جدرانه الساخنة، قبل أن تفوح رائحتها في المكان، معلنة عن خبز طازج اعتادت عليه البيوت الريفية وضيوفها جيلاً بعد آخر.


لكن هذا المشهد أخذ ينحسر تدريجياً، ولم تعد رائحة خبز التنور حاضرة كما كانت، بعدما تبدّلت الظروف الزراعية والمعيشية، وتراجعت العادات المرتبطة بإعداد الخبز داخل المنازل.

القطن.. حطب التنور وذاكرة المواسم

يقول فايز الجدوع، الباحث في التراث الريفي وابن قرية العريشة في ريف الحسكة الجنوبي في حديثه لـ Syria One إن نقص الحطب من أبرز أسباب تراجع خبز التنور، موضحاً أن بقايا القطن بعد موسم القطاف كانت مصدراً أساسياً للوقود، إذ اعتادت العائلات جمعها وتخزينها لتلبية احتياجاتها خلال العام.


وفي منطقة لا تتوافر فيها الأشجار والغابات كمصدر بديل يسهل الاعتماد عليه، شكّلت بقايا القطن جزءاً مهماً من مستلزمات الحياة اليومية.


ومع جفاف نهر الخابور وتراجع الموارد المائية، تأثرت الزراعة في المنطقة، ومنها زراعة القطن، فتراجعت معها بقايا المحصول التي كانت تُستخدم وقوداً للتنور.


وهكذا، لم يقتصر أثر التحولات الزراعية على الحقول ومصادر الرزق، بل وصل إلى تفاصيل المطبخ الريفي، وإلى نار التنور التي كانت تحتاج إلى ما تجود به الأرض بعد مواسم الحصاد.

الطين والقش.. صناعة التنور

ويشير الجدوع إلى أن التنور كان يُصنع من الطين الممزوج بالقش، ويُشكَّل باليد ثم يُترك حتى يجف ويصبح صالحاً للاستخدام. وكان من دعائم البيت الريفي، يُنصب في "الحوش" لتلبية حاجة الأسرة اليومية من الخبز، فيجتمع حوله العمل والخبرة والعادات المتوارثة.


كان التنور الطيني جزءاً مألوفاً من فضاء البيت الريفي، ولم تكن عملية الخبز مجرد مهمة منزلية، بل طقساً يومياً تتداخل فيه الخبرة والصبر والعمل، وتتناقل النساء خلاله طرائق إعداد العجين وخبزه.


وكانت حرارة التنور ونوعية الحطب وطريقة إعداد العجين عوامل تسهم في مذاق الخبز ورائحته المميزين. ويرتبط الحطب في ذاكرة أبناء الريف بجانب من هذه الرائحة التي افتقدوها مع تراجع إشعال التنور.


وحين يعود التنور إلى العمل في مناسبة عائلية، تستعيد النساء والأجيال الأكبر سناً تفاصيل يعرفنها جيداً، من تجهيز العجين، إلى مدّ الأرغفة وإلصاقها بجدران التنور الساخنة، ثم إخراجها تباعاً، وهي تفوح برائحة تستحضر أياماً كانت فيها هذه الممارسة جزءاً من الحياة اليومية.


من حبوب الأرض إلى الطحين المستورد



ولم تتوقف التحولات عند الحطب، بل طالت أيضاً مكونات الخبز ومصادره. فبحسب الجدوع، تراجع تخزين الحبوب المحلية لدى الأسر، وأصبح الاعتماد على الطحين المستورد أكثر حضوراً، بعدما كانت العائلات تحتفظ بجزء من إنتاج أرضها لتلبية احتياجاتها.


ومع انتشار الأفران في القرى والبلدات، أصبح الحصول على الخبز الجاهز أكثر سهولة، وتراجعت الحاجة إلى إشعال التنور يومياً. وبات حضوره يرتبط في كثير من البيوت بالمناسبات والتجمعات العائلية، حين تعود النار إليه، وتستعيد الأجواء شيئاً من ملامح الماضي.

رائحة تختصر حكاية الريف

إن انحسار خبز التنور في ريف الحسكة لا يرتبط بسبب واحد، بل بتغيّرات متداخلة شملت جفاف الخابور وتراجع زراعة القطن ونقص الحطب، إلى جانب تغيّر مصادر الطحين وانتشار الأفران.


وبين هذه التحولات، تتراجع عادة حملت في تفاصيلها علاقة الإنسان بأرضه ومحاصيله، من الحبوب التي تُخزّن إلى بقايا القطن التي تتحول إلى وقود، وصولاً إلى رغيف يخرج ساخناً من التنور.


أما الرائحة، فتبقى أكثر من ذكرى عابرة؛ إنها جزء من ذاكرة البيوت الريفية، تستيقظ كلما اشتعل تنور في "حوش" قديم، لتعيد إلى المكان شيئاً من زمن كانت فيه الأرض تمدّ البيت بحاجاته، وكان خبز التنور عنواناً من عناوين الحياة اليومية في الجزيرة السورية.


مقالات ذات صلة

العراق يفتح باب استيراد المحاصيل الزراعية.. حبزة لـ Syria One: الاستجرار الضخم شكّل "صدمة" للسوق المحلية وارتفاع واضح في الأسعار

العراق يفتح باب استيراد المحاصيل الزراعية.. حبزة لـ Syria One: الاستجرار الضخم شكّل "صدمة" للسوق المحلية وارتفاع واضح في الأسعار

أعلن العراق، قبل أيام قليلة، عن فتح باب الاستيراد أمام المحاصيل الزراعية، لاسيما البطاطا والبندورة والبصل، استجابة لارتفاع أسعار المواد الغذائية، بهدف دعم الأمن الغذائي والحد من استغلال ظروف السوق، الأمر الذي انعكس سلباً على السوق السورية، التي بدأت تشهد موجة تحذيرات من قفزات سعرية وشيكة.
68
ما تأثير فقدان الخصوصية في المخيمات على النساء والفتيات؟.. استشارية نفسيةواجتماعية لـSyria One: غياب الخصوصية قد يؤدي إلى تراجع الثقة بالآخرين والعزلة لحماية الذات

ما تأثير فقدان الخصوصية في المخيمات على النساء والفتيات؟.. استشارية نفسيةواجتماعية لـSyria One: غياب الخصوصية قد يؤدي إلى تراجع الثقة بالآخرين والعزلة لحماية الذات

لا يقتصر فقدان المنزل بسبب النزوح على خسارة مكان السكن؛ فبالنسبة إلى النساء والفتيات في مراكز الإيواء، قد يعني ذلك أيضاً فقدان المساحة الخاصة والقدرة على عيش تفاصيل الحياة اليومية بعيداً عن أعين الآخرين
100
الزراعة في الماء بدلاً من التربة.. روان لـ "Syria One": الصدفة تحولت إلى هوية ومشروع متكامل

الزراعة في الماء بدلاً من التربة.. روان لـ "Syria One": الصدفة تحولت إلى هوية ومشروع متكامل

تستعرض مؤسِسة مشروع "Rony Terrarium" روان الحباس في حوار خاص أجرته معها منصة Syria One تفاصيل رحلتها الطويلة مع عالم النباتات، مشيرة إلى أن الشغف
67
إعلام اليوم.. الضيف والمضيف في سباق.. من يحقق مشاهدات أعلى!

إعلام اليوم.. الضيف والمضيف في سباق.. من يحقق مشاهدات أعلى!

كما كل شيء في العالم يتغير ويتبدل ويتطور ويتنقل من قالب إلى قالب، كذلك الإعلام لم يبق كما هو. وإذا قلنا إن لكل مهنة أخلاقياتها
61
إلغاء الرسوم الجمركية البالغة 50% على عدد من منتجات الزراعة والغابات الكندية

إلغاء الرسوم الجمركية البالغة 50% على عدد من منتجات الزراعة والغابات الكندية

أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترامب قرارا بإلغاء الرسوم الجمركية البالغة 50% على عدد من منتجات الزراعة والغابات الكندية، في خطوة تهدف إلى تخفيف الأعباء عن الشركات الزراعية الأميركية التي تعتمد على تلك الواردات.
135
سيرياون إعلان 7