أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع مرسوماً يقضي بفصل وزارات الاقتصاد، والصناعة، والتجارة الداخلية وحماية المستهلك، وإعادة العمل بها كجهات حكومية مستقلة، بعد فترة من الدمج الإداري وضعت هذه القطاعات تحت سقف إداري واحد.
تأتي هذه الخطوة لإنهاء مرحلة الدمج الإداري التي اعتُمدت مع أول حكومة تشكلت بعد سقوط النظام السابق، والتي استهدفت حينها اختصار النفقات وملاءمة ظروف المرحلة الانتقالية. غير أن الواقع الميداني وما رافقه من اضطراب في الأسعار وتداخل صلاحيات الإدارة، أعاد طرح التخصص والتركيز كحاجة ملحّة لإدارة الملف الاقتصادي.
تضارب الملفات وغياب التنسيق
وفي حديث لموقع Syria One، قال الخبير الاقتصادي مجدي جاموس إن الوزارة المدمجة عانت بالفعل من تضارب وصراع حقيقي بين ملفاتها، على غرار ما كان يحدث سابقاً حين كانت رئاسة مجلس الوزراء تجتمع بالوزارات الاقتصادية الخمس لتتخذ قرارات تفتقر لمراعاة انعكاساتها المتبادلة على عمل كل وزارة.
وأوضح جاموس أن قرار دمج هذه الوزارات كان غير منطقي، لأنه أوجد تناقضاً كبيراً بين التوجه نحو تشجيع الاستيراد لتوفير السلع وضبط الأسعار وحماية المستهلك، وبين المسؤولية الملقاة على عاتق الوزارة ذاتها في حماية المنتج المحلي ودعم الصناعة الوطنية، وهي مهام مختلفة تماماً في طبيعتها.
وحول ما إذا كان تغيير الهيكل الإداري والمسميات كافياً وحده لتحسين الأداء الاقتصادي، أشار جاموس إلى أن التنظيم الإداري وتنسيق الأدوار أمران على درجة عالية من الأهمية، إلا أنهما لن يحققا النتائج المرجوة في ظل استمرار مركزية القرار وغياب القراءة الإدارية الصحيحة والتنسيق الفعلي بين مختلف الوزارات الاقتصادية.
وبين جاموس أن نجاح العمل لا يتوقف عند حدود الهيكلة حتى وإن توفرت الخبرات الإدارية، بل يرتبط بالدرجة الأولى بوجود هوية اقتصادية واضحة ورئاسة مجلس وزراء قادرة على الإشراف والتنسيق، ما يجعل فصل الوزارات ضرورة ملحة ولكن بشرط أن تقترن بأدوات وسياسات فاعلة لإعادة ترميم وبناء الاقتصاد الوطني.
بين غياب الرؤية وضرورة استقلال الملفات الاقتصادية
وأضاف الخبير الاقتصادي جاموس في حديثه حول مدى نجاح وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك في إحكام السيطرة على الأسواق وضبط الأسعار بعد تفريغها من مهام الاقتصاد الكلي، أن الواقع يظهر عدم تحقق هذا النجاح حتى الآن؛ نظراً لغياب وضوح الرؤية، والضعف في الهيكل والقرارات الإدارية، ومركزية القرار، إلى جانب التأثر الشديد برفع أسعار الطاقة وتذبذب سعر الصرف، مما خلق فوضى في الأسواق وتسبب في زيادة تكاليف الإنتاج على المصنعين.
ورغم أن قرار الفصل يأتي استجابة لظروف واقعية فرضت نفسها بعد أقل من عام ونصف على الدمج لتصحيح خطأ تنظيمي سابق، إلا أن نجاح الوزارة في دورها الحقيقي لضبط الأسعار والرقابة على الجودة يظل مرهوناً بتنسيق إداري فاعل مع الوزارات المعنية بأسعار الطاقة وسياسات الاستيراد والتصدير؛ فمن دون هذا التنسيق لحماية المنتج المحلي وجذب رؤوس الأموال إلى المناطق الصناعية، ستستمر فوضى التكاليف.
وفي المقابل، يتيح هذا الفصل لوزارة الاقتصاد التركيز على مهامها الجوهرية المتمثلة في صياغة الخطط الاستراتيجية طويلة الأجل، وتحديد هوية الاقتصاد الوطني، وتوقيع الاتفاقيات الدولية، وتحسين الميزان التجاري عبر زيادة الصادرات، بالتوازي مع ضرورة استحداث وزارة مستقلة للاستثمار كرافعة أساسية لبناء الاقتصاد، مما يؤكد أهمية التخصص والتركيز الإداري في أوقات الأزمات.
واختتم الخبير الاقتصادي مجدي جاموس تصريحه بأن إعادة الفصل وتعديل الهياكل يجب ألا تقف عند حدود المسميات الإدارية، بل تتطلب إنهاء التضارب وصياغة هوية اقتصادية واضحة بالتنسيق الفاعل تحت مظلة رئاسة مجلس الوزراء، بما يضمن ضبط الأسواق وتحسين واقع المواطن المعيشي.






