خاص - Syria One
أثار حديث مدير عام هيئة الاستثمار السورية طلال الهلالي لـ CNN الاقتصادية، عن التوجه لمنح 71 مستشفى حكومياً للقطاع الخاص لإدارتها والاستفادة من عوائدها، جدلاً كبيراً، واللافت أن الجدل لم يقتصر على الناس الذين أرعبهم القرار لأنهم يعرفون حق المعرفة ماذا يعني خصخصة الصحة، بل وتجاوزهم إلى خبراء الاقتصاد الذين وجهوا على الفور الكثير من الأسئلة ورسموا مجموعة من السيناريوهات في حال خصخصة القطاع الصحي.
ففي بيئة يغيب فيها التأمين الصحي الشامل، ويعيش معظم سكانها تحت خط الفقر، إن تمت خصخصة القطاع الصحي، فإن الكثير من المرضى سيفقدون حياتهم ليس بسبب نقص الأسرة أو الكوادر، بل بسبب عجزهم عن الدفع.
والمشكلة الأكبر، أن الخصخصة لا تعني ارتفاع الأسعار فقط، بل تؤدي إلى إعادة تشكيل النظام الصحي على أساس طبقي، ما يسرّع تآكل الخدمات العامة، ويجعل البقاء على قيد الحياة مرتبطاً بالقدرة المالية لا بالحاجة الطبية. وهناك الكثير من الأمثلة في العالم على كارثة خصخصة الصحة في مجتمعات فقيرة، ولعل أقربها إلينا لبنان التي تحول الدخول إلى مستشفياتها في كثير من الحالات من الحاجة إلى الخدمة، إلى قرار مرتبط بالدفع المسبق بالدولار.
ومن الذين تصدوا لحديث الهلالي وفنّدوه، الخبيرة والباحثة الاقتصادية الدكتورة رشا سيروب التي قالت على صفحتها الشخصية على موقع Facebook إن هذا الكلام، وفي ظل ما سبقه من خصخصة للقطاع الدوائي مع الاستمرار في ارتفاع الأسعار، له ترجمة واحدة فقط: زيادة في أعداد الوفيات وانتشار الأمراض، متسائلة إن كان من صلاحيات رئيس هيئة الاستثمار أساساً التحدث عن مصير مؤسسات تتبع لوزارتي الصحة والتعليم العالي؟!
وذكّرت سيروب رئيس الهيئة بعدد من بنود خطة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية لعام 2026 لسوريا، والتي وُضعت بالتشاور والتنسيق مع الحكومة السورية، وأظهرت أرقامها فجوة كبيرة في الواقع الصحي، حيث أن 12.8 مليون سوري بحاجة إلى مساعدات صحية، و83% من الأسر السورية أنفقت أموالاً على الصحة خلال الأشهر الستة الماضية، مما يسلط الضوء على الإنفاق المباشر الواسع النطاق وعوائق القدرة على تحمل التكاليف، إضافة إلى أن الأمراض المعدية لا تزال تشكل مصدر قلق بالغ للصحة العامة، أما غير المعدية فتسهم بنحو 70% من الوفيات، وأن 58% من المجتمعات المحلية تُبلغ عن عدم توفر الأدوية لعلاج الأمراض غير المعدية، لذا يصبح من الضروري ألا يكون التعامل مع الصحة والخدمات الحياتية على أنها تجارة وبزنس، لأن هذا تفكير ينم عن قصور في فهم دور الدولة في تحقيق رفاهية شعوبها بحسب سيروب، إلا إذا كان الشعب المستهدف هو الشعب الثري فقط.
وأعاد حديث خصخصة المشافي إلى الذاكرة ما حدث منذ فترة عندما تم إغلاق معمل تاميكو لصناعة الأدوية، وما رافقه من مخاوف بارتفاع أسعار الكثير من الأصناف التي كان ينتجها المعمل بأسعار معقولة، وأن يصبح المواطن السوري تحت رحمة المعامل الخاصة التي تسعّر بحسب الكلفة والمرابح، لا بحسب دخل المواطن وقدرته الشرائية.
وبعد ما حدث من جدل، أصدرت هيئة الاستثمار بياناً أوضحت فيه أن ما قاله رئيسها في مقابلة إعلامية مؤخراً حول خصخصة المشافي الحكومية، هو بحث في نماذج إدارة حديثة بالشراكة مع القطاع الخاص، هدفه تحسين آليات العمل والخدمات المقدمة بما يرفع الكفاءة ويخدم المواطن ويضمن وصول العلاج للجميع بكرامة، وأن الصحة ليست للبيع ولن تكون، وأن الواقع الطبي لن يشهد تغييراً يمس جوهر دوره الوطني، وستبقى الدولة الضامن الأساسي للعلاج، ولن يُحرم أي سوري من حقه في الطبابة بسبب وضعه المادي.






