نتيجة لسنوات من فقدان وثائق عقارية وتراكم النزاعات على الملكيات، تتجه سوريا اليوم نحو تنفيذ مشروع رقمنة السجل العقاري، وذلك ضمن خطة للتحول الرقمي بغية تعزيز حماية الملكيات وتطوير الخدمات العقارية والانتقال تدريجياً من السجلات الورقية إلى منظومة إلكترونية، لكن مختصين يرون أن نجاح المشروع لن يرتبط بإدخال البيانات إلى أنظمة رقمية فحسب، بل بمدى جاهزية البنية التحتية، وحماية قواعد البيانات، ومعالجة التعقيدات القانونية والعقارية المتراكمة.
الرقمنة كفرصة لتعزيز حماية الملكيات
يرى الخبير العقاري الدكتور عمار يوسف أن مشروع رقمنة السجل العقاري يعد خطوة كان يفترض أن تبدأ منذ سنوات، متسائلاً: "لماذا تأخرنا للوصول إلى مشروع كهذا، بينما تطبقه دول العالم منذ أكثر من ثلاثة عقود؟"، معتبراً أن الأتمتة والرقمنة أصبحتا اليوم مستقبل إدارة السجلات والأرشفة في مختلف القطاعات، وليس في القطاع العقاري فحسب.
وأوضح يوسف، في حديثه لـ Syria One، أنه إذا نُفذ المشروع بصورة احترافية وعلى أيدي مختصين، سيقدم ضمانة حقيقية للمواطنين في حماية ملكياتهم، ويحد من عمليات الاحتيال والتصرف غير القانوني بالعقارات، مؤكداً أن الرقمنة تمثل الحل الأفضل للحد من التزوير في عمليات نقل الملكية وإثبات الحقوق مستقبلاً.
ويشدد على أن نجاح المشروع يتطلب توفير حماية تقنية عالية للسجلات الرقمية، بحيث تبقى قواعد البيانات تحت إشراف الدولة وبحماية إلكترونية عالية، محذراً من أن أي ثغرة أمنية قد تسمح بالتلاعب بالبيانات العقارية، الأمر الذي قد يحول المشروع من وسيلة لحماية الملكيات إلى مصدر لمشكلات أكثر تعقيداً.
ويضيف أن الجانب القانوني لا يقل أهمية عن الجانب التقني، إذ وضّح أن السجلات الرقمية لن تكتسب حجيتها الكاملة إلا بعد إصدار التشريعات والتعليمات التي تمنحها الصفة القانونية، لتصبح مرجعاً معتمداً أمام القضاء وفي معاملات نقل الملكية.
تحديات التنفيذ
رغم أهمية المشروع، يؤكد يوسف أن التحدي الحقيقي لا يقتصر على تحويل الوثائق الورقية إلى ملفات رقمية فقط، وإنما يمتد إلى جاهزية البيئة العقارية والتقنية في سوريا، إذ أن الواقع العقاري السوري يعاني تعقيدات تراكمت عبر عقود، مثل تعدد الإشارات العقارية وتشعب الملكيات، فضلاً عن وجود عقارات تتوزع ملكيتها على آلاف الحصص بين الورثة، وهو ما يجعل نقل هذه البيانات إلى نظام رقمي عملية معقدة تتطلب معالجة قانونية وتنظيمية بالتوازي مع الأتمتة.
كما يلفت إلى أن نجاح المشروع يرتبط أيضاً بمدى جاهزية البنية التحتية الرقمية، سواء من حيث كفاءة الشبكات، واستقرار خدمات الإنترنت والكهرباء، أو قدرة مراكز البيانات على استيعاب الكم الكبير من المعلومات العقارية وحمايتها.
وفيما يخصّ الاستعانة بشركة أجنبية لتنفيذ المشروع، يرى يوسف أن الاستفادة من الخبرات الخارجية تمثل خياراً منطقياً إذا كانت الشركة تمتلك تجارب ناجحة في مشاريع مماثلة، لكنه يشدد على أن يقتصر دورها على تصميم الأنظمة والإشراف التقني وتأمين حماية البرمجيات، فيما يجب أن تبقى عملية إدخال البيانات العقارية وتخزينها وإدارتها بيد كوادر سورية وتحت إشراف الدولة، لما تمثله هذه المعلومات من أهمية سيادية.
ويختتم الخبير العقاري حديثه بالتأكيد على أن رقمنة السجل العقاري لا تمثل حلاً سحرياً لجميع مشكلات القطاع، بل تشكل بداية لمسار إصلاحي يحتاج إلى تحديث التشريعات وتنظيم الواقع العقاري بالتوازي مع التحول الرقمي، لأن معالجة الإرث العقاري المتراكم في سوريا لن تتحقق خلال فترة قصيرة، وإنما عبر مشروع متكامل يجمع بين التقنية والإصلاح القانوني والإداري.
فبينما تمثل رقمنة السجل العقاري خطوة مهمة نحو تحديث الإدارة العقارية في سوريا، يبقى نجاحها مرهوناً بقدرتها على حماية الملكيات، وتأمين البيانات، ومعالجة التعقيدات القانونية القائمة، بما يحول الرقمنة من مجرد أرشفة إلكترونية إلى إصلاح حقيقي يعزز الثقة بالسجل العقاري ويحفظ حقوق المالكين.






