خاص - لميس حسين
مع دخول شهر رمضان هذا العام، يجد السوريون أنفسهم أمام معادلة معيشية أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، فارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية جعلا من مائدة الإفطار والسحور عبئاً إضافياً على الأسر، التي باتت تحسب كلفة كل طبق قبل أن تفكر في إعدادِه.
وبين الرغبة في الحفاظ على الطقوس الرمضانية، والاضطرار إلى ضبط النفقات، تتقلّص الخيارات أمام العائلات بين موائد منزلية متواضعة أو إفطار خارج المنزل قد يلتهم ميزانية شهر كامل.
تكشف جولة على مطاعم دمشق القديمة ومناطق أخرى في العاصمة أن أسعار وجبة الإفطار للشخص الواحد تتراوح بين 140 و400 ألف ليرة سورية، تبعاً لطبيعة المطعم والخدمات المرافقة، وتشمل الوجبة عادة طبقاً رئيسياً، ومجموعة من المقبلات الباردة والساخنة، والسلطات، والعصائر الرمضانية، إضافة إلى الحلويات الشرقية، بينما تعتمد بعض المطاعم نظام البوفيه المفتوح ضمن السعر ذاته.
وفي دمشق القديمة، تبدأ الأسعار من 160 ألف ليرة، وتشمل أصنافاً مثل الكبة والبطاطا المقلية والبرك، والمتبل والمحمرة، إلى جانب مشروبات رمضانية كالتّمرهندي والعرقسوس والجلّاب.
أما وجبة السحور، فتنخفض كلفتها نسبياً لتبدأ من 50 ألف ليرة للشخص، وتشمل البيض المقلي والأجبان والزيتون والمناقيش والشاي، مع نوع من الحلويات، إلا أن عدد المطاعم التي تقدّم السحور هذا العام انخفض بشكل لافت، وفق مصادر خاصة لـ Syria One، دون توضيح الأسباب، فيما حددت بعض المطاعم أيام السحور بيومي الخميس والجمعة فقط.
لا تقتصر المنافسة بين المطاعم على الطعام، بل تمتد إلى العروض الفنية التي تشمل الموسيقا الشرقية، والفرق الإنشادية، والمولوية، والحكواتي، في محاولة لجذب الزبائن، ومع ذلك، يؤكد أصحاب مطاعم أن الحركة بعد الإفطار ما تزال ضعيفة، وأن التكاليف المرتفعة للمواد الأولية والطاقة والضرائب دفعتهم إلى رفع الأسعار، ما انعكس مباشرة على القدرة الشرائية للزبائن.
سامر قدح: "الغلاء عنوان الموسم.. ولا يمكن تقديم وجبة بسعر معقول مع مواد جيدة"
في حديث خاص لـ Syria One يصف مدير غرفة سياحة دمشق سامر قدح أسعار الإفطار هذا العام بأنها "مرتفعة بشكل واضح"، مقارنة بالسنوات السابقة، ويعزو ذلك إلى ارتفاع أسعار المواد الأولية، والكهرباء، والغاز، والآجارات، مؤكداً أن اللحوم تحديداً شهدت زيادة كبيرة أثّرت مباشرة على تكلفة الوجبات.
ويقدّر قدح تأثير ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية على تسعيرة المطاعم بنحو 20%، مشيراً إلى أن متوسط سعر الإفطار الرمضاني في المطاعم السياحية يبلغ حوالي 200 ألف ليرة للشخص.
وعن قدرة المطاعم على تقديم وجبات "مقبولة السعر"، يقول قدح: "لا يمكن تقديم وجبة بسعر معقول إذا كانت المواد الأولية جيدة، فالجودة لها ثمنها"، مؤكداً أن الوضع الاقتصادي دفع العائلات إلى التقنين في خياراتها الغذائية، سواء داخل المنزل أو خارجه.
أما عن الإجراءات المتخذة لضبط الأسعار، فيوضح أن بعض المطاعم تلجأ إلى التقنين بالمواد غير الأساسية للحفاظ على سعر مقبول نسبياً، لكنه يرى أن تحسين واقع القطاع يتطلب "حلًا متكاملاً يشمل أسعار المواد، وتكاليف الكهرباء والغاز، والآجارات المرافق المرتفعة".
ورغم أن الطهي المنزلي يبدو خياراً اقتصادياً، إلا أن الأرقام تكشف عن عبء لا يقل ثقلاً، فبحسب تقديرات أمين سر جمعية حماية المستهلك، تحتاج أسرة من خمسة أفراد إلى:
- 700 – 1000 ليرة جديدة يومياً لتأمين سحور بسيط
- 1500 – 2000 ليرة جديدة يومياً لوجبة الإفطار الرئيسية
وبذلك تصل كلفة الوجبتين خلال شهر رمضان إلى 66 – 90 ألف ليرة جديدة (ما يعادل 6.6 - 9 ملايين ليرة قديمة)، وهو مبلغ يتجاوز دخل شريحة واسعة من الموظفين وأصحاب الأجور الثابتة.
وتعتمد هذه التقديرات على وجبات "حدٍّ أدنى"، غالباً ما تفتقر إلى البروتينات والفيتامينات والدهون الصحية، التي أصبحت أسعارها خارج متناول كثير من الأسر، خصوصاً مع ارتفاع أسعار اللحوم والدواجن والأسماك.
تأتي هذه الأرقام في ظل موجة غلاء مستمرة تشهدها الأسواق السورية، حيث ترتفع أسعار المواد الغذائية بوتيرة تفوق بكثير نمو الدخل الشهري، ويخشى مواطنون من ارتفاع إضافي خلال الشهر نتيجة زيادة الطلب الموسمي، ما يدفع إلى المطالبة بتشديد الرقابة التموينية وضبط الأسواق للحد من الاستغلال.






