لم تتكفل الحوالات المالية بتغطية نفقات الأسر السورية، بل أعادت رسم سلّم السلطة داخل البيت الواحد. فقد فرض الواقع الاقتصادي تراجع دور الأب كمعيل أساسي وصاحب قرار، ليحل محله الابن المغترب الذي أصبحت مساهماته المالية تمنحه النفوذ الأكبر في تحديد أولويات الإنفاق واتخاذ القرارات المفصلية.
هذا التحول خلق واقعاً نفسياً معقداً؛ فالآباء بين الامتنان وحرج التنازل عن قيادة المنزل، والأبناء تحت ضغط مسؤولية مضاعفة تجعل استقرار أسرهم مرهوناً بقدرتهم على التحويل المستمر. ولم تعد الحوالة مجرد دعم عابر، بل المحرك اليومي لكل التفاصيل من التدفئة والطبابة إلى التعليم، حيث أصبحت كلمة "صاحب الحوالة" هي الأعلى وزناً.
في أحد أحياء مدينة حماة، يلخص العم "أبو سليمان" (60 عاماً) هذا الواقع بنبرة هادئة، وهو يتحدث عن ابنه الوحيد الذي غادر البلاد لبناء مستقبله، ليجد نفسه حاملاً لثقل البيت كاملاً من دول المغترب.
يقول العم أبو سليمان لـ Syria One: "سافر ابني ليتأسس ويبني حياته، لكن الظروف هنا جعلته المحرك الأساسي لبيتنا. اليوم، لم يعد هناك قرار يُتخذ في البيت—من تأمين المازوت والتدفئة، إلى زيارة الأطباء وقرطاسية المدرسة وحتى أبسط المصاريف اليومية—إلا بناءً على الحوالة ومتى تصل."
ويضيف متأثراً: "أنا ممتن له ولا يمكن أن أنكر فضله أبداً فلولاه كنا حالياً في حالة يرثى لها حقيقة، فهو سندنا الوحيد في هذه الأيام القاسية. لكن يتملكني حرج غريب وحزن شديد وغصة داخلي لا تفارقني عندما أجد نفسي جالساً أنتظر الدعم بدلاً من أن أكون أنا من يقدمه لأسرتي كما اعتادت طوال عمري."
وفي هذا الخصوص ، أوضحت الاختصاصية النفسية مرح الخضور لـ Syria One: "أن الحوالات المالية لم تعد مجرد وسيلة لتأمين الاحتياجات، بل أصبحت عاملاً يشكّل العلاقات وأدوار أفراد الأسرة، وقصة تكيف مع واقع جديد وتبديل لأدوار استمرت لعقود.
وتضيف الخضور لـ Syria One: "يشعر الأب بالحرج والعجز نتيجة تراجُع دوره التقليدي وتلقيه للدعم بدلاً من تقديمه. لكن يمكن استيعاب هذا التحول بتغيير صورة سلطة الأب من "سلطة مالية" إلى تقديم الدعم العاطفي والتوجيه المعنوي الذي لا يُقوّم بمال".
وحول جانب معاناة المغتربين، تنوّه الاختصاصية النفسية لـ Syria One: "يواجه الشاب مسؤولية مضاعفة وخوفاً مستمراً من الفشل في تلبية احتياجات عائلته، فضلاً عن الشعور بالوحدة وتأجيل طموحاته الشخصية لتأمين أسرته، مما يجعله تحت ضغط عصبي ونفسي دائم".
وتختم مرح الخضور: "يمكن تخفيف العبء باعتبار الدعم المالي مسؤولية مشتركة لا تفقد الأب دوره القيادي، مع الحفاظ على مشاعره وتوزيع المسؤوليات بفتح قنوات تواصل صريحة ودافئة بين الطرفين".
هذا التحول في سلطة البيت ليس رغبة من الأبناء في الهيمنة، بل استجابة اضطرارية لواقع جعلَ الحوالة شريان الحياة الوحيد.
وبين صمت الآباء عن حرجهم وسعي الأبناء للوفاء بالالتزامات، تبحث الأسرة السورية عن توازن جديد يحفظ كبرياء رب الأسرة في الداخل ويخفف وطأة الغربة في الخارج.






