تستقبل الأسر السورية موسم "التعزيل" الخريفي والربيعي باعتباره طقساً اجتماعياً قديماً يتجاوز مجرد التنظيف الروتيني، ليتحول إلى ورشة عمل شاقة تطال الجدران والسجاد وجميع تفاصيل المنزل. وفي قلب هذا الموسم، تتجلى ظاهرة اجتماعية وإنسانية لافتة تمثلها النساء اللواتي يقدمن خدمات التنظيف في بيوت الآخرين، وهنّ في الوقت ذاته ربات منازل يتكفلن بإدارة شؤون بيوتهن وعائلاتهن. وتشكل السيدة الأربعينية شادية موسى نموذجاً حياً لهذه الشريحة التي تعيش تقاطعاً مركباً من الإرهاق الجسدي، والتضامن الإنساني غير المعلن، في ظل واقع اقتصادي يفرض أحكامه على الجميع.
بورصة الأجور اليومية..تفاوت جغرافي بين العاصمة والريف
تتأثر أجور العمالة المنزلية الموسمية بمؤشرات القدرة الشرائية والتكلفة المعيشية بحسب الأحياء، إذ توضح البيانات والمتابعات الميدانية لأسعار الخدمات في دمشق وريفها أن أجر العاملة لليوم الواحد في الأحياء الراقية والمركزية مثل المالكي وأبو رمانة والمزة يتراوح بين 200 ألف إلى 400 ألف ليرة سورية، نظراً لاتساع مساحات الشقق واحتياجها لمجهود مكثف في تنظيف الواجهات والسجاد والأثاث الفاخر، وفي المقابل، تتراوح الأجور في مناطق الريف والمناطق المجاورة بين 150 ألف إلى 250 ألف ليرة سورية لليوم الواحد، وتبيّن شادية لـ Syria One أن جزءاً من الأسر والعاملات يعتمد على نظام الأجر بالساعة في المهام الجزئية، لافتة إلى أن هذه المداخيل، رغم ارتفاعها الظاهري مقارنة بالأجور الروتينية الثابتة، تظل متآكلة أمام التضخم وموجات غلاء مواد التنظيف وأجور النقل المتصاعدة.
الإنهاك الجسدي وتقاطعات العمل المزدوج
يُظهر واقع العمل المنزلي المزدوج تبعات صحية واقتصادية بالغة الأثر على البنية الجسدية للنساء، حيث تشير البيانات الطبية المتعلقة بأمراض المهنة والجهد العضلي إلى أن التعرض المستمر للمواد الكيميائية الحارقة (مثل الكلور ومزيلات الدهون القوية) دون وقاية مهنية كافية يتسبب بنسب مرتفعة من التهابات الجهاز التنفسي المزمنة والأكزيما الجلدية وآلام المفاصل، وتوضح شادية عبر Syria One أن الأعباء تتضاعف نتيجة رفع الأحمال الثقيلة مثل السجاد المبلل والوقوف لفترات طويلة على المرتفعات لتنظيف الجدران والأسقف، وهو ما يتحول إلى عبء علاجي يستهلك جزءاً معتبراً من الأجور الموسمية المكتسبة، وسط غياب تام للتأمين الصحي أو تعويضات إصابات العمل لهذه الفئة من العاملات.
تقاطع أدوار الإنهاك بين بيوت الآخرين والبيوت الشخصية
تؤكد شادية موسى في تصريحاتها لـ Syria One أن رحلتها مع العمل المنزلي المأجور لم تكن خياراً، بل ضرورة ملحة لمساندة أسرتها وتأمين متطلبات الحياة اليومية. وتوضح أنها عندما تنهي يوم عمل طويلاً يستمر لساعات في تنظيف جدران وسجاد أحد البيوت، ترجع إلى منزلها لتبدأ سلسلة أخرى من المهام المماثلة التي تنتظرها من طهي وترتيب ورعاية لأطفالها، وتصف شادية هذا الشعور بأنه ماراتون يومي يعصر الطاقة الجسدية والنفسية، حيث تجد نفسها مطالبة بتوزيع جهدها بين تلبية تطلعات أصحاب العمل وبين إعطاء بيتها وعائلتها حقهم من الاهتمام دون تقصير.
البعد الإنساني والتضامن الخفي بين ربات المنازل
وحول طبيعة العلاقة التي تجمعها بربات البيوت اللواتي تستعين بها، تبين شادية عبر Syria One أن كونهما ينتميان إلى ذات الصفة كربات منازل يخلق حالة عميقة من التضامن والتفهم المتبادل، فهي لا تنظر إلى صاحبة البيت باعتبارها مجرد "صاحبة عمل" يقف حد العلاقة معها عند أداء المهمة واستلام الأجر، بل تتعدى ذلك إلى شعور إنساني متكامل يشعر به الطرفان بأنهما شريكتان في العبء نفسه. وتضيف أن الكلمة الطيبة والتقدير المتبادل يمحوان الكثير من التعب الجسدي، مشيرة إلى أن نظرة المجتمع لعملها بدأت تتغير بشكل إيجابي نحو اعتبار هذا النشاط مهنة شريفة وخدمة مساندة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها.
الأمن الاقتصادي الأسري وتحديات الاستدامة
تمثل الأجور الموسمية لخدمات "التعزيل" رافداً أساسياً لدعم ميزانية الأسر التي تعيلها نساء عاملات في ظل تراجع القدرة الشرائية العامة، وتؤكد شادية في ختام تصريحاتها لـ Syria One أن استدامة هذا العمل المرتبط بالمواسم تفتقر إلى مظلة حماية اجتماعية وقانونية تحمي حقوق العاملات تضمن الحد الأدنى للأجور أو ساعات العمل العادلة، وشددت على أن المرأة السورية العاملة في هذا القطاع لا تبحث عن مجرد أجر يومي، بل تسعى لتثبيت كرامتها الإنسانية والاقتصادية عبر جهدها، وسط مطالبات مستمرة بضرورة تسليط الضوء على هذه الشريحة الواسعة التي تحرك جانباً هاماً من الاقتصاد الخدمي اليومي.






