مجتمع

صاحب "الحوالة" هو صاحب القرار آباء خذلهم الزمان.. وأبناء أوقفوا حياتهم لأجل أهاليهم

16
صاحب "الحوالة" هو صاحب القرار آباء خذلهم الزمان.. وأبناء أوقفوا حياتهم لأجل أهاليهمريم خطيب

لم تتكفل الحوالات المالية بتغطية نفقات الأسر السورية، بل أعادت رسم سلّم السلطة داخل البيت الواحد. فقد فرض الواقع الاقتصادي تراجع دور الأب كمعيل أساسي وصاحب قرار، ليحل محله الابن المغترب الذي أصبحت مساهماته المالية تمنحه النفوذ الأكبر في تحديد أولويات الإنفاق واتخاذ القرارات المفصلية.


هذا التحول خلق واقعاً نفسياً معقداً؛ فالآباء بين الامتنان وحرج التنازل عن قيادة المنزل، والأبناء تحت ضغط مسؤولية مضاعفة تجعل استقرار أسرهم مرهوناً بقدرتهم على التحويل المستمر. ولم تعد الحوالة مجرد دعم عابر، بل المحرك اليومي لكل التفاصيل من التدفئة والطبابة إلى التعليم، حيث أصبحت كلمة "صاحب الحوالة" هي الأعلى وزناً.


في أحد أحياء مدينة حماة، يلخص العم "أبو سليمان" (60 عاماً) هذا الواقع بنبرة هادئة، وهو يتحدث عن ابنه الوحيد الذي غادر البلاد لبناء مستقبله، ليجد نفسه حاملاً لثقل البيت كاملاً من دول المغترب.


يقول العم أبو سليمان لـ Syria One: "سافر ابني ليتأسس ويبني حياته، لكن الظروف هنا جعلته المحرك الأساسي لبيتنا. اليوم، لم يعد هناك قرار يُتخذ في البيت—من تأمين المازوت والتدفئة، إلى زيارة الأطباء وقرطاسية المدرسة وحتى أبسط المصاريف اليومية—إلا بناءً على الحوالة ومتى تصل."


ويضيف متأثراً: "أنا ممتن له ولا يمكن أن أنكر فضله أبداً فلولاه كنا حالياً في حالة يرثى لها حقيقة، فهو سندنا الوحيد في هذه الأيام القاسية. لكن يتملكني حرج غريب وحزن شديد وغصة داخلي لا تفارقني عندما أجد نفسي جالساً أنتظر الدعم بدلاً من أن أكون أنا من يقدمه لأسرتي كما اعتادت طوال عمري."


وفي هذا الخصوص ، أوضحت الاختصاصية النفسية مرح الخضور لـ Syria One: "أن الحوالات المالية لم تعد مجرد وسيلة لتأمين الاحتياجات، بل أصبحت عاملاً يشكّل العلاقات وأدوار أفراد الأسرة، وقصة تكيف مع واقع جديد وتبديل لأدوار استمرت لعقود.


وتضيف الخضور لـ Syria One: "يشعر الأب بالحرج والعجز نتيجة تراجُع دوره التقليدي وتلقيه للدعم بدلاً من تقديمه. لكن يمكن استيعاب هذا التحول بتغيير صورة سلطة الأب من "سلطة مالية" إلى تقديم الدعم العاطفي والتوجيه المعنوي الذي لا يُقوّم بمال".


وحول جانب معاناة المغتربين، تنوّه الاختصاصية النفسية لـ Syria One: "يواجه الشاب مسؤولية مضاعفة وخوفاً مستمراً من الفشل في تلبية احتياجات عائلته، فضلاً عن الشعور بالوحدة وتأجيل طموحاته الشخصية لتأمين أسرته، مما يجعله تحت ضغط عصبي ونفسي دائم".


وتختم مرح الخضور: "يمكن تخفيف العبء باعتبار الدعم المالي مسؤولية مشتركة لا تفقد الأب دوره القيادي، مع الحفاظ على مشاعره وتوزيع المسؤوليات بفتح قنوات تواصل صريحة ودافئة بين الطرفين".


هذا التحول في سلطة البيت ليس رغبة من الأبناء في الهيمنة، بل استجابة اضطرارية لواقع جعلَ الحوالة شريان الحياة الوحيد.


وبين صمت الآباء عن حرجهم وسعي الأبناء للوفاء بالالتزامات، تبحث الأسرة السورية عن توازن جديد يحفظ كبرياء رب الأسرة في الداخل ويخفف وطأة الغربة في الخارج.


مقالات ذات صلة

مواسم "التعزيل" والعاملات المنزليات.. رحلة البحث عن سند معيشي بين الشقاء اليومي وحفظ الكرامة

مواسم "التعزيل" والعاملات المنزليات.. رحلة البحث عن سند معيشي بين الشقاء اليومي وحفظ الكرامة

تستقبل الأسر السورية موسم "التعزيل" الخريفي والربيعي باعتباره طقساً اجتماعياً قديماً يتجاوز مجرد التنظيف الروتيني، ليتحول إلى ورشة عمل شاقة تطال الجدران والسجاد وجميع تفاصيل المنزل. وفي قلب هذا الموسم، تتجلى ظاهرة اجتماعية وإنسانية لافتة تمثلها النساء اللواتي يقدمن خدمات التنظيف في بيوت الآخرين
12
علاجات تجميلية بأسماء مشاهير.. ترند أدى غرضه وتسويق نجح بجذب المستهلكين

علاجات تجميلية بأسماء مشاهير.. ترند أدى غرضه وتسويق نجح بجذب المستهلكين

تتدخّل الدعاية الإعلامية بقوة في كل المنتجات البشرية على اختلاف أنواعها و على اختلاف الحاجة إليها في الأسواق، وليس جديداً أن يتم استغلال أسماء المشاهير على المستوى العالمي والمحلي للترويج و جذب الناس
16
كندة علوش تتحدث مع صاحبة السعادة عن الأمومة والحياة الزوجية

كندة علوش تتحدث مع صاحبة السعادة عن الأمومة والحياة الزوجية

خلال استضافة الفنانة كندة علوش في برنامج "صاحبة السعادة"، الذي تقدمه الفنانة والإعلامية إسعاد يونس على شاشة قناة DMC، تحدثت عن عدد من التفاصيل المتعلقة بالأمومة والحياة الزوجية، ودور كل من الزوج والجدة في حياة الأسرة.
465
صيدلاني في فندق ومهندسة في مدرسة!.. عجز المناهج وضغوط المعيشة تغير خريطة سوق العمل السوري

صيدلاني في فندق ومهندسة في مدرسة!.. عجز المناهج وضغوط المعيشة تغير خريطة سوق العمل السوري

في المشهد المهني اليوم، لم يعد نادراً أن تلتقي بمهندس يُدرّس المواد الأساسية، أو صيدلاني يُدير حجز الغرف في فندق. ظاهرة "العمل في غير التخصص الأكاديمي" لم تعد مجرد سلوك اضطراري للهروب من ضغط
244
الدروس الخصوصية في ميزان التعليم والواقع الاجتماعي.. مختصة لـ Syria One: حوّلت التعليم من حق إنساني مكفول إلى امتياز تحكمه الملاءة المالية

الدروس الخصوصية في ميزان التعليم والواقع الاجتماعي.. مختصة لـ Syria One: حوّلت التعليم من حق إنساني مكفول إلى امتياز تحكمه الملاءة المالية

تتحول الدروس الخصوصية في المشهد التعليمي الراهن من مجرد إجراء استثنائي لمساندة الطلاب المتعثرين، إلى بنية موازية تكاد تضاهي المؤسسة التعليمية الرسمية، وفي هذا التحقيق الصحفي الخاص بـ Syria One، تفتح الأستاذة سيا اسماعيل ملف هذه الظاهرة المركبة، لتفكك
451
سيرياون إعلان 7