يعد فن المجرور من أقدم الفنون التقليدية التي اشتهرت بها محافظة الطائف في السعودية، وفي هذا الفن الصفوف تتقابل، والأصوات تتعاقب، والخطوات تضبطها النغمة، والملابس الشعبية تضيف للمشهد هويته، وانتقل هذا الفن من ساحات الأفراح والمناسبات الاجتماعية إلى فضاءات المهرجانات والفعاليات الثقافية التي يتابعها الأهالي والزوار.
ولا يستمد المجرور خصوصيته من اللحن وحده، بحسب أخبار 24، بل من اجتماع عناصر عديدة في لحظة واحدة؛ فالكلمة تقود الصوت، والإيقاع يضبط الحركة، والصفوف تمنح الأداء شكله، فيما يصنع تجاوب المؤدين حالة من التناغم، تجعل العرض لوحة شعبية حية تتبدل تفاصيلها مع الأبيات ووتيرة الضرب على الدفوف.
ويبدأ المشهد باصطفاف المشاركين في مجموعتين متقابلتين، تتناوبان أداء النصوص الشعرية والألحان، بينما يتوسط ضاربو الدفوف والطبلة ساحة العرض، ثم تتدرج الحركات وفق نسق يعرفه الممارسون، لتتحول الأبيات من كلمات مسموعة إلى أداء تشترك في صياغته الأصوات والخطوات والإيقاعات.
ويكتمل حضور المجرور بالزي التقليدي الذي يرافق مؤديه، وفي مقدمته "الحويسي"، بما يحمله من هيئة ارتبطت بهذا اللون الشعبي، لتصبح الملابس جزءًا أصيلًا من هوية العرض؛ فالزائر يتلقى المجرور بالصورة والصوت معًا، ويشاهد تفاصيل تستحضر جانبًا من شكل المناسبات الاجتماعية التي عرفتها الطائف قديمًا.
وتحفظ لغة المجرور الداخلية مسميات توارثها الممارسون، من بينها "الشبشرة" و"المقاطعة" و"الدمدمة" و"الكسرة"، إلى جانب أنماط عُرفت في أدائه مثل المربوع والمخموس، وهي تفاصيل تكشف ما يتمتع به هذا اللون من بناء فني وإيقاعات وحركات متعارف عليها، تناقلها الممارسون وحافظوا على حضورها عبر الزمن.
ولم يكن المجرور قديمًا منفصلًا عن حياة المجتمع؛ إذ كانت الأعراس والأفراح واللقاءات الاجتماعية من أبرز ميادينه، حيث يجتمع الأهالي حول صفوفه، وتنتقل قصائده وألحانه بالمشاهدة والممارسة من جيل إلى آخر، حتى أصبح جزءًا من الذاكرة المحلية، يحمل صورًا عن طرق الاحتفاء والتلاقي وحضور الشعر والإنشاد في حياة أهالي المحافظة.
ويمتد حضور هذا الموروث في مناطق وأحياء وقرى متعددة داخل الطائف، وأسهم ذلك في استمرار ممارسته وتنوع فرقه، فيما وجد مع اتساع النشاط الثقافي والسياحي مساحة أوسع للظهور في المناسبات الوطنية والمهرجانات والبرامج التراثية، ليشاهده جمهور يتجاوز نطاق المجتمع المحلي، ويتعرف من خلاله على أحد الفنون المرتبطة بهوية المحافظة.






