اقتصاد

كيف نعيد بناء الاقتصاد السوري؟.. خبير لـ Syria One: الاستقرار أولوية.. وبداية الحل بناء القطاعات المولدة لفرص العمل

369
كيف نعيد بناء الاقتصاد السوري؟.. خبير لـ Syria One: الاستقرار أولوية.. وبداية الحل بناء القطاعات المولدة لفرص العمل

خاص – فراس القاضي:

من أين سنبدأ؟... سؤال يفرض نفسه على كل من يفكر بحال الاقتصاد السوري، فبعد حوالي عقد ونصف من الحرب، وشبه الانهيار الكلي لبنى الإنتاج، لم يعد السؤال كيف نرمم الاقتصاد، بل من أين نبدأ ببناء اقتصاد جديد.

ويختلف الكثيرون أيضاً حول مفهوم إعادة البناء بحد ذاته، فيبرز نقاش أساسي بين الاقتصاديين: ما هي الخطوة الأولى الحقيقية في طريق بناء الاقتصاد السوري الجديد؟ هل نبدأ بإصلاح المؤسسات المالية؟ أم بإطلاق مشاريع إنتاجية واسعة؟ أم بإعادة صياغة النموذج الاقتصادي للبلاد بالكامل؟ خاصة أن هذا الانهيار يمنحنا فرصة استثنائية لإعادة البناء على أسس جديدة.. أسس تعتمد معايير خالية – أولاً - من الوهم، ومن المبالغات ومن استيراد التجارب غير المناسبة، وآخذة بعين الاعتبار الإمكانيات الحقيقية لسوريا، من حيث ثرواتها، وحجمها، وموقعها.

الاستقرار الاقتصادي أولاً

الباحث في الاقتصاد السياسي الدكتور محمد صالح الفتيح، وفي حوار مع Syria One، يرى أن البلاد التي تخرج من حروب وأزمات طويلة، تعاني عادةً من مستويات بطالة عالية، بسبب توقف أو تقلص العديد من الأنشطة الاقتصادية، وتحتاج لتوفير فرص عمل جديدة للمتحاربين السابقين وللنازحين العائدين إلى ديارهم. كما أن تحقيق الاستقرار والأمن – بمعانيه المختلفة – يتطلب ضبطاً للتضخم المالي، والحفاظ على قيمة العملة. لهذا تكون الأولوية في عملية التعافي الاقتصادي للمسارات التي تعيد الاستقرار الاقتصادي بما في ذلك تحقيق استقرار العملة، وتحسين القدرة الشرائية للمستهلكين، وإصلاح القطاع الاقتصادي لتحقيق الأمن الغذائي، وصيانة البنى التحتية الحيوية وإعادتها إلى الخدمة (خصوصاً خطوط النقل الرئيسة).

وهذه المسارات تتقاطع بشكل واضح، وخصوصاً في حالة سوريا.

ففي سوريا تصل البطالة إلى أكثر من 60% - أي أكثر من نصف القوة العاملة – والقطاع العام يتقلص بشكل واضح ويرجح أن تتسارع وتيرة تقلصه مع بدء خصخصة مؤسسات القطاع العام. ويحصل هذا بالتزامن مع عودة التضخم المالي الذي نراه في أسعار البضائع بالرغم من التثبيت القسري لقيمة الليرة السورية أمام الدولار، وذلك عن طريق تقييد السحوبات من المصارف والتحكم بالكتلة النقدية المتداولة في الأسواق.

عودة التضخم المالي هذا، يعود لتراجع القدرة الشرائية لمجموع السوريين، وهذا ما يجبر أصحاب الفعاليات الاقتصادية المختلفة على رفع أسعارهم لتعويض نقص المبيعات الناجم عن النقص في الطلب، فتكون النتيجة المزيد من التراجع في الطلب، ودخول الاقتصاد في حلقة مفرغة من الكساد التضخمي (Stagflation).

الزراعة والبنى التحتية

ويوضح الفتيح أنه في حالة سوريا، لا يمكن تحسين القوة الشرائية لعموم السوريين عبر زيادة رواتب موظفي القطاع العام، فنسبة هؤلاء الموظفين لا تشكل سوى حوالي 10% من السوريين القادرين على العمل، وهذه النسبة مستمرة أساساً بالتقلص نتيجة تقليص القطاع العام. الحل الجذري يبدأ بالبحث عن الأنشطة التي تخلق فرص عمل لأكبر شرائح ممكنة من السوريين. وفي السياق السوري هذا يتحقق عبر العمل في القطاع الزراعي وفي مشاريع البنى التحتية – مثل إعادة شق وترميم الطرق والجسور وخطوط النقل بالمجمل. فهذه المشاريع شرهة للأيدي العاملة، كما أن تكلفة خلق فرصة العمل الواحدة فيها منخفضة بالمقارنة مع المشاريع الفارهة التي يتم الترويج لها في سوريا منذ سقوط النظام السابق.

فرص عمل ولّادة

ويؤكد الفتيح أن هذه الأنواع من فرص العمل، تتسم بخلق فرصة عمل إضافية في سلاسل التزويد والخدمات ذات الصلة. وبالمتوسط، فإن كل فرصة عمل جديدة، تخلق في مجال إنشاءات البنى التحتية ما بين 1 و1.5 فرصة عمل إضافية في قطاعات ذات صلة (مثل قطاع صناعة الإسمنت والمقالع والنقل وما شابه). وفي سوريا - باستثناء مشاريع الطاقة الكهربائية الحيوية للاستقرار الاقتصادي - فإن التركيز منصب على المشاريع البراقة ذات التكلفة العالية جداً والتي لا تتوفر أي معلومات حول عدد فرص العمل التي ستخلقها. وعند توزيع تكلفة هذه المشاريع على عدد الفرص المحتملة التي يمكن أن تخلقها، سنجد أن تكلفة خلق فرصة العمل الواحدة مرتفعة للغاية، وكان يمكن أن تخلق أضعاف ذلك العدد لو وجهت رؤوس الأموال هذه إلى القطاعات التقليدية، وإن كانت تلك القطاعات غير براقة وتبدو مثيرة للضجر.

أمثلة مهمة


ويلقي الخبير الفتيح نظرة على ما يحصل حتى في البلدان المتقدمة. فمثلاً، تضغط الإدارات الأميركية المتعاقبة، وخصوصاً الجمهورية منها، على شركائها التجاريين لشراء منتجاتها الزراعية، وذلك للحفاظ على استقرار فرص العمل في القطاع الزراعي.

وفي ألمانيا وضعت الحكومة الحالية تصورها لتحقيق التعافي الاقتصادي ومواجهة تقلص القطاع الصناعي وأزمة الطاقة والبطالة المتصاعدة عبر التوسع في مشاريع البنى التحتية التقليدية، بما في ذلك الجسور والطرق السريعة والسكك الحديدية، وذلك بالرغم من أن تلك البنى التحتية حتى في وضعها الحالي تعتبر متقدمة جداً بمعايير الشرق الأوسط. كذلك تحرك الرئيس الفرنسي في مطلع العام للضغط على الاتحاد الأوروبي لوقف توقيع اتفاقية التجارة الحرة مع تكتل "ميركوسور" في أميركا اللاتينية، بهدف إنقاذ القطاع الزراعي الفرنسي الذي يخشى التعرض للإغراق بالمنتجات الزراعية الرخيصة القادمة من أميركا اللاتينية.

قطاعات تعكس المسار التضخمي

ويختم الفتيح بأن الانطلاق في قطاعات الزراعة وإنشاءات البنى التحتية سيخلق فرص عمل لا تحتاج بالضرورة إلى مؤهلات خاصة، وهذا ما سيقلص بشكل سريع من حجم البطالة وسيخلق مع الوقت طلباً على عمالة ذات مؤهلات أعلى، والتي ستطلب بدورها أجوراً أفضل. وبالمحصلة سينطلق الاقتصاد باتجاه النمو في عكس مسار الكساد التضخمي، وستكون لدينا حلقة جديدة فيها طلب على الأيد العاملة، وتحسن للأجور، وتحسن للقوة الشرائية، وهنا سيتنافس مقدمو الخدمات والبضائع على تلبية الطلب عبر تخفيض أسعارهم، فيتحقق استقرار العملة، ويبقى التضخم عند مستويات صحية تدعم النمو الاقتصادي.


هذا المسار يستغرق وقتاً غير قصير، ولكن لا يوجد صيغة بديلة، خصوصاً بالنسبة لبلد من بلدان العالم الثالث، لا يمتلك رؤوس أموال كبيرة، ولا ثروات طبيعية استثنائية.


مقالات ذات صلة

شركة إيرباص الأوروبية تعلن عن انخفاض حاد في أرباحها الأساسية ​للربع الأول

شركة إيرباص الأوروبية تعلن عن انخفاض حاد في أرباحها الأساسية ​للربع الأول

أعلنت شركة إيرباص الأوروبية اليوم الثلاثاء عن انخفاض حاد في أرباحها الأساسية ​للربع الأول
24
البنزين في ​الولايات المتحدة يسجل أعلى مستوياته منذ ​أغسطس/آب 2022

البنزين في ​الولايات المتحدة يسجل أعلى مستوياته منذ ​أغسطس/آب 2022

أشارت بيانات ​رابطة السيارات الأمريكية ‌إلى أن متوسط سعر ​البنزين في ​الولايات المتحدة ارتفع اليوم ⁠الثلاثاء إلى ​ما يقارب 4.18 ​دولار للغالون، مسجلا أعلى مستوياته منذ ​أغسطس/ آب ​2022
25
خروج الإمارات من "أوبك" و"أوبك+"..  نقطة تحوّل لافتة في مسار السياسة النفطية للدولة

خروج الإمارات من "أوبك" و"أوبك+".. نقطة تحوّل لافتة في مسار السياسة النفطية للدولة

يمثل قرار الإمارات العربية المتحدة الخروج من منظمة "أوبك" وتحالف "أوبك+"، اعتبارا من الأول من مايو/ أيار 2026، نقطة تحوّل لافتة في مسار السياسة النفطية للدولة
37
الإمارات تعلن الخروج من "أوبك" و "أوبك+"

الإمارات تعلن الخروج من "أوبك" و "أوبك+"

أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة، اليوم الثلاثاء، قرارها بالخروج من منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك" و "أوبك+" على أن يسري القرار اعتباراً من الأول من مايو / أيار المقبل
52
الخدمات الأرضية السعودية تفوز بعقد من مطارات الرياض بـ315 مليون ريال

الخدمات الأرضية السعودية تفوز بعقد من مطارات الرياض بـ315 مليون ريال

أعلنت الشركة السعودية للخدمات الأرضية، ترسية عقد مع شركة مطارات الرياض، لتشغيل وصيانة جسور إركاب المسافرين والخدمات المرتبطة بها في مطار الملك خالد الدولي، بقيمة إجمالية تبلغ 314.9 مليون ريال
62
سيرياون إعلان 7