لا يبدو مشروع إعادة افتتاح منفذ القامشلي– نصيبين مجرد خطوة لتسهيل عبور الأشخاص والبضائع، بل يأتي ضمن تحولات أوسع في العلاقات السورية–التركية، تتجه من الملفات الأمنية والسياسية نحو التعاون الاقتصادي والمؤسسي. ويطرح ذلك تساؤلات حول قدرة المعبر على إحياء التجارة بين البلدين، والتحول إلى ممر يربط الأسواق التركية بالعربية.
وفي تعقيبَين خاصَّين لـSyria One، يقدّم الباحثان في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية وليد الشيخ وعبد الباسط أبو نبوت قراءتين للمشروع؛ تركز الأولى على اختصار طرق التجارة وإحياء التبادل التاريخي، بينما تربط الثانية بين تطوير المعبر وبناء منظومة حدودية واقتصادية أكثر تنظيماً.
طريق أقصر وتبادل تجاري تاريخي
يرى الباحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية وليد الشيخ أن تركيا تطرح نفسها، منذ سقوط النظام السابق، شريكاً في التعافي الاقتصادي السوري وإعادة تحريك الإنتاج.
واشار إلى أن معبر نصيبين كان يعمل قبل عام 2011، إلى جانب وجود معبر في رأس العين، موضحاً أن جزءاً من البضائع التركية كان يدخل إلى سوريا عبر معبر سيمالكا مع إقليم كردستان العراق، ما يفرض مسارات أطول وتكاليف إضافية ذهاباً وإياباً.
وبحسب الشيخ، يمكن لافتتاح معبر القامشلي–نصيبين اختصار الوقت والجهد والتكلفة، وإعادة تنشيط الأسواق بين المنطقتين، اللتين شهدتا تاريخياً تبادلاً للسلع، من الشاي والقمح والسكر والأرز إلى الألبسة ومنتجات الثروة الحيوانية.
كما يعتبر أن المشروع يمثل فرصة لاستعادة جانب من هذا النشاط بعد سنوات من التوتر المرتبط بموقف تركيا من قوات سوريا الديمقراطية، مضيفاً أن تجاوز هذه المرحلة، في ظل ما يصفه باندماج «قسد» مع الدولة السورية، يتطلب معالجة العوائق أمام الحركة الاقتصادية، بما قد يسهم في تنشيط الصادرات والواردات والتبادل التجاري بين البلدين.
معبر ضمن شراكة أوسع
من جهته، يضع الباحث عبد الباسط أبو نبوت المشروع ضمن مسار الشراكة السورية–التركية، خصوصاً بعد الاتفاق على إنشاء مجلس التنسيق الأعلى في آب/أغسطس 2026، وبحث ملفات التجارة والطاقة والنقل والربط السككي، ثم مناقشة تفعيل اللجنة العليا المشتركة في أيلول.
ويرى أن تطوير المعبر يرتبط بتعزيز الإدارة الرسمية للحدود، والانتقال من النشاط غير المنظم إلى تجارة تخضع للجمارك والرقابة وتتبع الشحنات، بما يدعم مكافحة التهريب وتجارة المخدرات، لكنه يلفت إلى أن افتتاح المعابر لا يؤدي تلقائياً إلى إنهاء هذه الأنشطة، ما لم يترافق مع رقابة فعالة وإجراءات تنظيمية متكاملة.
وأشار أبو نبوت إلى أن تطوير منافذ الحسكة، ومنها القامشلي واليعربية وسيمالكا، وتأهيل الطرق المؤدية إليها، يأتي ضمن توجه أوسع لإعادة بناء شبكة المنافذ السورية، بالتوازي مع تحديث معابر أخرى مثل باب الهوى ونصيب والدبوسية والعريضة والسلامة والتنف.
متطلبات التحول إلى ممر إقليمي
لا يتوقف نجاح المشروع، وفق أبو نبوت، على إنشاء البوابة الحدودية، بل يحتاج إلى طرق مؤهلة، وساحات للشاحنات، ومستودعات، ومراكز للتخليص الجمركي والفحص، وأنظمة رقمية، ومحطات وقود، وخدمات مصرفية وتأمينية، إلى جانب تدريب العاملين.
وقد يتيح ذلك ربط المعبر بشبكة نقل أوسع تصل تركيا بالأسواق العربية، وصولاً إلى الأردن والخليج، في وقت تحدث فيه وزير التجارة التركي عمر بولات عن هدف رفع حجم التجارة بين البلدين إلى 10 مليارات دولار على المدى المتوسط.
كخلاصة رأي الباحثين، يروا أن الأثر الاقتصادي المحتمل للمعبر يرتبط بقدرته على الاندماج في منظومة لوجستية متكاملة، تدعم التجارة والصناعة والزراعة والخدمات والاستثمار، وتحوّل الحدود من مساحة للإدارة الأمنية وحدها إلى أحد مسارات التعافي الاقتصادي.






