مع ارتفاع تكاليف علاج وتعويضات الأسنان، تجاوز فقدان الأسنان في سوريا فئة كبار السن، ليطال مختلف الشرائح العمرية، وأصبح سمة بارزة في وجوههم لتجمعهم ابتسامات خجولة وعجز مادي واحد.
فعندما تصل تكلفة الإصلاح أو التعويض السني إلى ضعف دخل المواطن، تتحول العيادات السنية إلى أماكن مهجورة، إلا من حالات إسعافية أو حالات رفاهية لمن يمتلك ثمنها، ويبدأ مجتمع كامل بالتأقلم مع فكرة العيش بلا أسنان، أو بأسنان مريضة.
المظهر مهم.. لكن جيبك يحرمك منه."
بهذه الكلمات عبرت الطالبة الجامعية لين لـ Syria One عن معاناتها مع آلام الأسنان، فقبل ستة أشهر بدأت تشعر بآلام حادة في ضرسين جانبيين، وعند زيارة عيادة الطبيب، تبسّط الأخير في شرح الخطة: علاج عصب للضرسين، يلي ذلك تركيب وتلبيس لحمايتهما، بكلفة إجمالية تُقدَّر بمئات الآلاف، غادرت لين العيادة بغصة كبيرة لأنها رأت أن هذا المبلغ يكفيها لمدة ثلاثة أشهر لاحتياجاتها الجامعية، وعادت إلى منزلها مكتفية بالمسكنات، مما فاقم الوضع واضطرت إلى قلع الضرسين المسببين للألم، واليوم يترك القلع فراغاً واضحاً على جانب ابتسامتها، وهو ما ينعكس مباشرة على ثقتها بنفسها أثناء التجمعات العائلية ولقاءات الأصدقاء والمقابلات الوظيفية.
من علاج اللبنيات إلى كابوس التقويم
تختصر أم كريم لـ Syria One معاناة العائلات السورية مع صحة أسنان أطفالها، فطفلها ابن السبع سنوات يحتاج لمعالجة سحب عصب لثلاثة أسنان لبنية، وتركيب «حافظات مسافة»، بكلفة تتجاوز راتب زوجها لعدة أشهر. ولا تقف المعاناة عند العلاجات اللبنية الأساسية، بل تتعداها إلى كابوس تقويم الأسنان الذي يُعدّ ضرورة وظيفية لتصحيح إطباق الفكين والنطق، لكنه بات حكراً على المقتدرين مالياً بكلفته الخيالية التي تُحسب بالدولار وتُدفع على مدى سنوات.
تقول الأم بمرارة: نقف عاجزين أمام معاناة طفلنا ليلًا؛ فالعلاج المبكر يستهلك دخلنا لشهور، والتقويم تحول إلى رفاهية مستحيلة. نلجأ للمسكنات المؤقتة كحل اضطراري ندرك خطورته، ونغض الأبصار عن التشوهات المستقبليّة، لأن المفاضلة اليوم باتت قاسية بين صحة الفم والأسنان لأبنائنا، وبين تأمين قوتهم اليومي.
"طبيب رحماني" يعني جودة منخفضة
طبيب الأسنان محمد ونوس تحدث لـ Syria One مؤكدا أن الأزمة الاقتصادية الحالية فرضت واقعاً حرجاً على قطاع طب الأسنان في سوريا، يبدأ من تراجع الجودة، ووهم الدكتور "الرحماني"، حيث يعتقد بعض المرضى أن الدكتور منخفض الأسعار هو طبيب "رحماني"، دون النظر إلى لجوء بعض العيادات لمواد منخفضة الجودة ومخابر سيئة لخفض التكلفة، مما يرفع نسب فشل المعالجات اللبية كتسريب الحشوات وسحب العصب، ما يدفع المريض مستقبلاً لدفع ثمن مضاعف، إما بقلع السن أو إعادة المعالجة.
ويرى د. ونوس أن هذا التراجع يعود إلى سلوكيات علاجية اضطرارية، فقد أدى ارتفاع تكاليف علاج الأسنان وغياب التأمين الصحي إلى تأجيل أغلب المرضى العلاج لحين تفاقم الآلام وإهمال الأسنان للوصول إلى القلع كخيار أرخص وأسرع دون تعويض السن المقلوع، أو يتوقفون عن استكمال العلاج فور زوال الألم.
تسعيرة قديمة وحلول مفقودة
يضيف الطبيب أن التسعيرة الرسمية والنقابية يعود آخر إقرار لها لعام 2014، وهي منفصلة تماماً عن الواقع الاقتصادي، في حين تشكل المستلزمات الطبية المستوردة المرتبطة بسعر الصرف نحو 70% من الفاتورة العلاجية، يُضاف إليها كلف المخابر، وارتفاع أسعار الطاقة والكهرباء.
وحول سبل الحد من الأزمة، يرى الطبيب أن الخروج من هذا الواقع يتطلب تدخل النقابة ووزارة الصحة عبر الاستيراد المباشر للمواد وتخزينها لمنع احتكار التجار وانقطاع السوق من المواد، مع إلغاء أو تخفيض الرسوم الجمركية على المستلزمات العلاجية، وتفعيل تأمين صحي يستهدف الفئات الأكثر احتياجاً، ودعم العيادات الجامعية التي تقدم العلاج المجاني.
الابتسامة حق وليست رفاهية
يتجاوز تحول علاج الأسنان من إجراء طبي أساسي إلى عبء مالي حدود المعاناة الفردية، فقد أصبحت حالة شبه عامة، لدرجة أن كثير من أطبتء الأسنان أصبحوا يتعاملون مع مرضاهم بالدفع عبر التقسيط، والكثير من الناس يستبدلون العلاج بالمسكنات أو القلع المباشر، دون أدنى اكتراث بالمظهر المشوه، وذلك، وللأسف، من مبدأ: "وقفت على هي؟".






