مع اتساع الفجوة بين الأجور المتدنية ومتطلبات المعيشة، تحولت الشاشات الصغيرة في سوريا من وسيلة تواصل إلى منافذ اضطرارية لتحصيل المال. فلم يعد الدخول في تطبيقات المراهنات وغرف البث المباشر مثل "بيغو لايف" سلوكاً عابراً، إنما تحول إلى نشاط يومي يطارد فيه الشباب أي سيولة بالعملة الصعبة وسط انسداد أفق العمل، لكن السعي خلف وهم الربح السريع ينتهي بخسارات متتالية تلتهم ممتلكات اللاعبين وتغرقهم في ديون ثقيلة تفاقم أزمتهم بدل حلها.
بيئة خصبة للعاطلين عن العمل
لم يكن أحمد (اسم مستعار) يتوقع أن تتوقف مسيرته في إحدى مؤسسات الدولة فجأة، ليجد نفسه بعد التغييرات الأخيرة بلا رواتب ولا مؤهلات علمية في سوق العمل، ومع غياب أي مدخول بديل، خضعت خياراته كلياً لضغط الحاجة المادية.
دخل الشاب عالم منصة "الأشانسي" للمراهنات الرقمية بموقع اللاعب، ثم انتقل ليصبح وكيلا معتمداً لشحن الأرصدة وسحب الأموال.
وكشف أحمد لموقع Syria One أن هناك شبكات وكلاء لتغذية اللعبة بالسيولة النقدية، وأن هذه المنصات أصبحت تستقطب العاطلين عن العمل لتحويلهم إلى وسائط تجارية تعتاش على خسائر الآخرين.
أثمان تمس الاستقرار الأسري
لاتتوقف آثار هذه المنصات عند الأفراد والوكلاء، بل تمتد إلى العائلات مسببة تفككاً أسرياً واضحاً.
يروي أبو ورد تفاصيل معايشته لقصة أحد أقربائه الذي تحصل زوجته على وارد شهري من تطبيقات الدردشة الصوتية، وذلك بعد أن تحولت هذه الغرف الافتراضية إلى مصدر الدخل الوحيد للعائلة، لكن لقاء أثمان اجتماعية وأخلاقية باهظة.
وفق شهادة أبو ورد، تسبب الاستغراق اليومي لزوجة قريبه في المحادثات الطويلة مع الداعمين بإهمال كامل لشؤون المنزل ومتابعة دراسة الأطفال، فكانت أولى النتائج رسوب ابنتهم في دراستها.
ورغم إدراكه أن طبيعة الحديث مع المتابعين تتجاوز في كثير من الأحيان الحدود الأخلاقية المقبولة، إلا أنه فضّل الصمت والقبول بهذا الواقع، تحت ضغط الحاجة المالية وغياب أي مصدر رزق آخر يؤمّن مصاريف العائلة الأساسية.
مخاطرة بكل المقاييس
تضع المعالجة النفسية والمستشارة الأسرية عزة كردي هذه الشهادات والحالات الفردية في إطارها النفسي والاجتماعي، وأشارت في حديث لـ Syria One إلى أن الانزلاق في المراهنات يبدأ غالباً من خسارة مالية صغيرة، فيُسارع المراهن لتعويضها ومطاردة الربح. ومع تصاعد الضغوط، يتلاشى الشعور بالخطر وتتراجع المحاذير، حتى يجد الشخص نفسه يتنازل عن مقتنياته الخاصة أو يتصرف بأملاك أسرته لتغطية العجز متجاهلاً العواقب المستقبلية.
وترى كردي أن الآثار المترتبة على هذه الخسائر لا تقف عند الحدود المالية، لأن الخسائر الكبيرة قد تولّد التوتر والعزلة والغضب والشعور بالفشل، وتؤدي إلى صراعات أسرية حادة. وفي بعض الحالات قد تدفع الضغوط إلى الاستدانة غير الآمنة أو الكذب وإخفاء الخسائر، وقد تتطور لدى بعض الأشخاص إلى السرقة أو سلوكيات عنيفة، خصوصاً عندما يغيب الاحتواء والرقابة المبكرة.
أما على صعيد منصات البث المباشر والتطبيقات الصوتية، فتشير كردي إلى أن خطورتها تكمن في تحولها من مجرد أدوات تواصل إلى حياة موازية تُستنزَف فيها أوقات الأفراد ومشاعرهم. ويقود ذلك بحسب تقييمها، إلى جفاء عاطفي وإهمال صريح للمسؤوليات الأسرية ورعاية الأطفال.
وتضيف أن تقديم تنازلات سلوكية واستعراض الخصوصيات مقابل الهدايا المالية يمثل شكلاً من أشكال تسليع الإنسان، حيث تصبح المشاعر والجسد وسائل للتكسب، ويتكرس مع الوقت انطباع يقيس قيمة الفرد الشخصية بمقدار ما يحققه من شهرة وعوائد رقمية، على حساب الكرامة والمسؤولية.
وعن الجانب التشريعي، تؤكد الباحثة أن سرعة التطور التكنولوجي وتعدد وسائل الدفع الرقمية والحسابات الوهمية تتجاوز القدرة الحالية للقوانين وأدوات الرقابة التقليدية، ما يتطلب جهداً متكاملاً بين الجهات التشريعية والأمنية وشركات الاتصالات لتجفيف مصادر التمويل وحظر المنصات المخالفة.
وفي هذا السياق، تشدد المستشارة الأسرية على أهمية التعامل الواعي من قبل العائلات عند اكتشاف تورط أحد أبنائها، بالابتعاد تماماً عن العنف أو التشهير، والمبادرة إلى إغلاق منافذ الوصول لهذه المنصات مع تقييم الالتزامات المالية بدقة، فضلاً عن الاستعانة بالدعم النفسي والاجتماعي المختص، واللجوء الفوري للجهات الرسمية في حال وجود أي مؤشرات على ابتزاز أو احتيال إلكتروني.
وتختم بأن اندفاع الشباب السوري نحو تطبيقات المراهنات وبرامج الدردشة ليس مجرد ترفيه أو سلوك فردي، بل هو نتيجة مباشرة لانسداد أفق العمل وتراجع قيمة الأجور، حيث أصبحت العائلات تدفع ثمن استقرارها وكرامتها لقاء سيولة مالية سريعة. لمواجهة هذا الواقع، ولا بد من خطوات عملية تبدأ بتحديث التشريعات لملاحقة شبكات الوكلاء وضبط التحويلات المالية غير المشروعة إلى جانب توعية الشباب بمجالات العمل الرقمي الحقيقي وتوفير قنوات حماية واستشارات أسرية للمتضررين. وفي النهاية، الحل لايكمن في حجب موقع أو تطبيق حل مؤقت، فالمشكلة لن تتوقف ما دامت الظروف الاقتصادية الصعبة تطارد الشباب وتدفعهم لتقبل أي مخاطرة في سبيل تأمين مصاريف يومهم.






