يعد تزايد التحذيرات الدولية من موجة جديدة لارتفاع أسعار الغذاء بمثابة دافع نحو السؤال حول قدرة الأسواق المحلية على احتواء انعكاسات هذه التطورات، ولا سيما في الدول التي تعتمد جزئياً على الاستيراد مثل سوريا، وذلك ضمن إطار استمرار الاضطرابات الجيوسياسية وتأثيرها على حركة التجارة والإنتاج.
حيث يرى الباحث والمحلل الاقتصادي عبد القادر كنان الحسن في حديثه لـ Syria One، أن الارتفاع المتوقع في أسعار الغذاء عالمياً لا يرتبط بسبب واحد، بل هو عبارة عن تداخل عوامل جيوسياسية واقتصادية، في مقدمتها الحروب، وصعوبة نقل واستيراد النفط، وما يرافق ذلك من ارتفاع في تكاليف الإنتاج الزراعي والصناعي.
وأشار ايضاً إلى أن النفط يشكل عنصراً أساسياً في العملية الزراعية، سواء في تشغيل معدات استخراج المياه والري، أو في الصناعات المرتبطة بمستلزمات الزراعة الحديثة، ويضيف أن الحرب بين روسيا وأوكرانيا وما نتج عنها من اضطرابات في الأسواق الأوروبية أسهما في إضعاف إنتاج المواد الغذائية ودفع أسعارها إلى الارتفاع.
ما الذي يحدد حجم التأثر في السوق السورية؟
يرى الحسن أن مدى تأثر السوق السورية بموجة الغلاء العالمية لا يتوقف على ارتفاع الأسعار الدولية وحده، بل يرتبط بدرجة كبيرة بالسياسات التي تتبعها الحكومة لمواجهة هذه المتغيرات، حيث أكد بأن الأولوية يجب أن تكون لدعم القطاع الزراعي عبر توفير مستلزمات الإنتاج وتأمين قروض للفلاحين الذين تضرروا خلال سنوات الحرب، إلى جانب دعم قطاع الثروة الحيوانية، وتأمين الأعلاف، والحد من تصدير المواشي بما يحافظ على وفرة الإنتاج داخل السوق المحلية.
إضافة إلى دعوته لإعادة تشغيل مصانع الصناعات الغذائية التي تضررت خلال الحرب، مثل معامل السكر والزيوت، مع تفعيل منافذ البيع الحكومية وطرح المواد الغذائية بأسعار مدعومة ضمن سياسة التدخل الإيجابي، معتبراً أن مواجهة موجة الغلاء تتطلب إجراءات حكومية متكاملة، ولا يمكن أن تعتمد على جهود الأفراد وحدهم.
الاكتفاء الذاتي خط الدفاع الأول
وقد أكّد الحسن أن سوريا تمتلك مقومات استعادة قدر من الاكتفاء الذاتي في العديد من السلع الغذائية إذا ما جرى دعم الإنتاج المحلي وإعادة تأهيل القطاعات المتضررة، إذ أشار إلى أن البلاد كانت من المنتجين الرئيسيين للسكر، إلا أن معامل الشوندر السكري توقفت، كما تعطلت مصانع الزيوت في عدد من المحافظات، ويرى الخبير أن إعادة تشغيل هذه المنشآت من شأنها أن يساعد على تقليل الاعتماد على الاستيراد والحد من تأثير تقلبات الأسواق العالمية.
أما بالنسبة للسلع التي لا يمكن إنتاجها محلياً، مثل الشاي والأرز، يرى أن تنويع مصادر الاستيراد والاتجاه إلى دول أقل تأثراً بالحروب واضطرابات الشحن قد يخفف من انعكاس ارتفاع الأسعار العالمية على السوق السورية.
الإنتاج الزراعي والثروة الحيوانية
ويتابع الحسن بأن الأمر لا يقتصر على زيادة الإنتاج، وإنما يشمل أيضاً تطوير القطاع الزراعي والثروة الحيوانية عبر تعزيز الإرشاد الزراعي، وتأمين المستلزمات من المصرف التعاوني الزراعي، ورفع مستوى الوقاية من الأمراض النباتية والحيوانية، ونشر أساليب التربية الحديثة للدواجن والأغنام والأبقار.
حيث دعا إلى تحديث أساليب الذبح والتصنيع الغذائي عبر الاعتماد على المسالخ الآلية، بما يرفع كفاءة الاستفادة من الثروة الحيوانية ويخفض الكلفة النهائية على المستهلك، إضافة إلى استمرار دعم الفلاحين باعتبارهم الحلقة الأساسية في تحقيق الأمن الغذائي.
ويقترح أيضاً تشكيل لجنة اقتصادية متخصصة منبثقة عن مجلس الوزراء تضم الوزارات ذات الصلة بالقطاع الغذائي، تتولى متابعة تطورات الأسواق العالمية ووضع سياسات استباقية للتعامل مع أي موجات غلاء محتملة.
ويختم الحسن أن الطريق نحو الحد من تأثير ارتفاع أسعار الغذاء عالمياً يبدأ من الداخل، معتبراً أن الاستثمار في الزراعة، وإعادة تشغيل الصناعات الغذائية، ودعم الثروة الحيوانية، وتطوير إدارة الأسواق، تمثل مجتمعة أدوات قادرة على تعزيز الأمن الغذائي وتقليل ارتباط السوق السورية بتقلبات الأسواق الخارجية.






