في لحظة بدت للسوريين وكأنها استخدامٌ لآلة الزمن.. اللحظةُ التي أعادت فيها وزارة الأوقاف فتح دفاتر عمرها أكثر من قرن، وبدأت البحث في الأرشيف العثماني لإثبات صفة الوقف على عقارات تغيّرت ملكيتها وتوارثها الناس جيلاً بعد جيل.
اختبار عقاري في دمشق وحلب تحول إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية، وكان كافياً لإحياء تاريخ طويل من الملكيات المتشابكة، وإثارة قلق آلاف المالكين الذين وجدوا أنفسهم فجأة أمام سؤال واحد: هل يمكن لوثيقة عثمانية أن تهزّ ملكية استقرت لعشرات السنين؟
الأساس القانوني
تستند الوزارة في مطالبتها بالأرشيف إلى المادة العاشرة من قانون الأوقاف، التي تتيح إثبات صفة الوقف أمام القضاء عبر وثائق تاريخية، وهو ما يجعل السجلات العثمانية المرجع الأهم في هذا النوع من النزاعات.
لكن المحامي المختص الذي فضل عدم ذكر اسمه لحساسية الموضوع، أكد لـ Syria One أن هذا الأساس القانوني لا يعني قدرة الوزارة على تغيير الوضع الراهن للملكية، لأن المشترين الحاليين حصلوا على عقاراتهم بوصفهم "مشتري حسن النية"، أي أنهم اشتروا ملكيات لم تكن مصنّفة كأوقاف عند تسجيلها، وبالتالي لا يمكن تحميلهم مسؤولية وضع تاريخي لم يكن ظاهراً أو معروفاً عند الشراء.
الملكية الراسخة
ويتابع المحامي بقوله إن مبدأ حسن النية ينسحب أيضاً على العقارات التي مرّت بسلسلة طويلة من البيوع منذ العهد العثماني وحتى اليوم.
فالتغيّرات القانونية المتراكمة، وتسجيل الملكيات في الطابو الحديث، وغياب أي إشارة إلى الوقف خلال عمليات البيع، تجعل من الصعب الطعن في الملكية الحالية أو قلبها استناداً إلى التقادم أو إلى تغيّر الوضع القانوني عبر الزمن.
وحتى لو أثبتت الوثائق أن منطقة ما كانت وقفاً قبل أكثر من قرن، فإن ذلك لا يتجاوز حدود الصفة الرمزية التي تشير إلى القيمة التراثية للمكان، من دون أن تمسّ بحقوق المالكين الذين تصرفوا بعقاراتهم وفق القانون.
الأسواق التاريخية
ورغم المخاوف التي أثارها الملف، يؤكد المحامي أن أصحاب العقارات في أسواق مثل الحميدية ومدحت باشا لا يواجهون مخاطر قانونية مباشرة، لأن ملكيتهم ثابتة بحكم حسن النية وعدم علمهم بوجود أي صفة وقفية تاريخية.
ومع ذلك، يشير المحامي إلى أن جزءاً من عقارات هذه الأسواق هو بالفعل وقف قائم حتى اليوم، حيث تملك الأوقاف "حق الرقبة"، بينما يملك أصحاب المحلات "حق الفروغ" ويعاملون كمستأجرين يدفعون إيجاراً للوزارة، وهو وضع معروف ومطبّق منذ عقود ولا علاقة له بالتحرك الجديد.
آلية المطالبة
المحامي بين أن عملية المطالبة تبدأ بطلب رسمي من الدولة السورية إلى الجانب التركي للحصول على السجلات العثمانية، ثم تتولى وزارة الأوقاف إحالة الملفات إلى القضاء عبر إدارة قضايا الدولة التي تمثل الجهات العامة.
وفي حال نشوء نزاع، يحق لأي متضرر التدخل لإثبات ملكيته وحسن نيته، وهو ما يجعل القضاء المرجع النهائي في أي خلاف محتمل.
ويؤكد المحامي أن وجود حسن النية وحده كافٍ ليبقي المالك في منطقة الأمان، حتى لو ظهرت وثائق تاريخية تشير إلى وضع مختلف قبل أكثر من مئة عام.
الأثر الاجتماعي
ورغم أن الملف قانوني في جوهره، إلا أن أثره الاجتماعي لا يمكن تجاهله.
فإثارة موضوع الأوقاف في هذا التوقيت بحسب المحامي خلق حالة قلق بين المالكين الذين دفعوا مبالغ كبيرة لشراء محلاتهم، ويخشون أن يؤدي فتح السجلات القديمة إلى زعزعة الاستقرار العقاري، مبيناً أن الموازنة بين "الحق التاريخي" و"الاستقرار الحالي" لا يمكن أن تتم إلا عبر احترام الملكية الخاصة بوصفها حقاً مصاناً بالدستور، مع إمكانية التعامل مع المناطق ذات الخلفية الوقفية كتراث تاريخي من دون المساس بحقوق المالكين أو تهديد مصالحهم.
بين وثيقة عثمانية عمرها مئة عام و"طابو" حديث يحمي ملكية خاصة، يبدو أن هذا الملف سيبقى مثار جدل بين من يرى فيه محاولة لإعادة الاعتبار للأوقاف التاريخية، ومن يخشى أن يتحول إلى باب جديد للنزاعات.
لكن الثابت قانوناً، كما يؤكد المحامي، أن الملكيات الحديثة المحمية بحسن النية لا يمكن إسقاطها أو تحويل أصحابها إلى مستأجرين، وأن أي وثيقة عثمانية لن تكون كافية وحدها لقلب واقع عقاري استقر لعقود طويلة.






