تشهد الكثير من مدارس سوريا في اليوم الأخير من تقديم الامتحانات، ظاهرة تتمثل بتمزيق الكتب، الأمر الذي أثار جدلاً واسعاً بين الناشطين على منصات التواصل الاجتماعي، متسائلين عن الأسباب التي تدفع الطالب لفعل ذلك.
حيث يشاهد المارة أمام المدارس في معظم المناطق، تطاير القصاصات الورقية للكتب، وكميات الأوراق التي تتناثر في كل مكان وتملأ الشوارع.
وأوضح عدد من الطلاب لموقع Syria One، أنهم يلجؤون لهذه التصرفات نتيجة فرحتهم بانتهاء العام الدراسي، فيما أشار آخرون إلى أن تلك التصرفات ناتجة عن امتعاضهم من العملية التدريسية، ناهيك عن سوء معاملة الكادر التدريسي في بعض المدارس، بالمقابل، هناك من عبر من الطلاب عن استيائهم نتيجة ما يحدث، منوهين بأن ما قام به زملائهم غير لائق، وما أثار حفيظتهم أكثر أنهم تسببوا بمضاعفة جهود عمال النظافة جراء تصرفات الطلاب غير المسؤولة.
كما عبّر بعض المدرّسين عن أسفهم لما يحدث، مؤكدين أنهم قاموا بتنبيه وتوجيه الطلاب لعدم تكرار هذه التصرفات التي باتت عادة سنوية، إلا أنه لا حياة لمن تنادي.
وفي السياق نفسه، أوضحت عضو الهيئة التدريسية في المعهد العالي للدراسات والبحوث السكانية بدمشق، الباحثة الاجتماعية سمر علي، لـ Syria One، أن ظاهرة تمزيق الكتب المدرسية عقب انتهاء الامتحانات، تعتبر أكثر من مجرد سلوك طفولي عابر أو تعبير بريء عن الفرح؛ بل هي رسالة سلوكية مشفرة وعنف رمزي موجّه نحو المنظومة التعليمية برمتها، ومن منظور علم النفس التربوي والاجتماعي، يعكس هذا الفعل فجوة عميقة بين الطالب والمؤسسة التعليمية.
وعند مقارنة هذه الظاهرة في سوريا مع دول أخرى (كدول شمال إفريقيا أو بعض دول الخليج العربي)، نجد قواسم مشتركة تتقاطع في "قلق الامتحانات" وضغط الأقران المتأثر بمواقع التواصل الاجتماعي، لكن الخصوصية السورية بحسب علي، تكمن في 3 أبعاد معقدة، أولها التركة النفسية للأزمات، حيث يعاني الجيل الحالي في سوريا من تراكمات نفسية ناتجة عن سنوات من عدم الاستقرار والاضطراب الاقتصادي والاجتماعي، وهذا الواقع يولّد نوعاً من "العنف المكبوح" الذي يجد في نهاية الامتحانات فرصة للتفريغ العشوائي ضد أول رمز متاح للالتزام والسلطة، وهو الكتاب المدرسي.
وهناك المفارقة الاقتصادية الصادمة، ففي الوقت الذي تعاني فيه بعض المدارس والطلاب (خاصة في المناطق الأكثر تضرراً أو مخيمات النزوح) من نقص حاد في الكتاب المدرسي واعتمادهم على نسخ إلكترونية لعدم توفر الورق، نجد طلاباً في مناطق أخرى يحيلون الشوارع إلى ما يشبه "ساحات الثلج الورقي"، وهذا يعكس غياباً للتضامن الاجتماعي والوعي بإدارة الموارد الشحيحة، فيما يتمثل البعد الثالث بالضغط المصيري للامتحانات (التاسع والبكالوريا)، فالنظام التعليمي الذي يربط مستقبل الطالب وعائلته بالكامل بامتحان مركزي جاف يُضخّم مشاعر العداء تجاه المنهج، فيصبح تمزيق الكتاب بمثابة "إعلان انتصار" ذاتي زائف أو "انتقام" من الشبح الذي هدد أمانه النفسي لأشهر.
وأشارت إلى وجود أسباب عميقة للظاهرة، نفسية وتربوية واجتماعية، كالتفريغ الانفعالي العنيف، فالطالب يُخزن طوال العام تشنجاً وخوفاً من الفشل؛ وعند خروجه من قاعة الامتحان، يحدث انفجار انفعالي غير موجه، يترجمه بتمزيق الأوراق كآلية دفاعية للتخلص الفوري من العبء المكبوت، بالإضافة إلى الانتقام الرمزي حيث يُنظر إلى الكتاب كممثل شرعي للمدرسة والمعلم والنظام الصارم، وتمزيقه هو محاولة لا واعية لاسترداد القوة والتمرد على هذه السلطة.
وبالنسبة للأسباب التربوية والتعليمية، فتتمثل بنظام التلقين والحشو، فعندما تعتمد المناهج على التلقين والبصم لاسترجاع المعلومات في الامتحان ثم نسيانها، يفقد الطالب العلاقة العضوية بالمعرفة، وتصبح الكتب بلا قيمة وظيفية بمجرد تسليم ورقة الإجابة، كما أن غياب الأنشطة الترفيهية، الرياضية، والفنية يجعل المدرسة مكاناً طارداً وجافاً، مما يمنع تشكّل "انتماء" حقيقي للمكان ومحتوياته.
أما الأسباب الاجتماعية والتكنولوجية، تتمثل بعدوى الجماعة وضغط الأقران، فرغبة الطالب (خاصة المراهق) في الاندماج مع زملائه تجعله يقلدهم؛ فالتمزيق الجماعي يمنح شعوراً زائداً بالقوة والبطولة المزيفة، وهناك تأثير "التريند" الرقمي، إذ إن تصوير هذه المقاطع ونشرها على منصات مثل (تيك توك وفيسبوك وانستغرام) حوّل السلوك التخريبي إلى "موضة" يسعى اليافعون لمحاكاتها لجمع التفاعلات والإعجابات.
المخاطر والآثار المترتبة
خطورة الظاهرة لا تكمن في الورق الممزق بحد ذاته، وفق علي، بل في القيم الإنسانية والتربوية التي تُهدر معه، فقد تغرس ثقافة الاستهتار بالمعرفة وإهانة الرموز العلمية، وتحول العنف التخريبي إلى سلوك مقبول ومضحك مجتمعياً، بالإضافة إلى تكبّد قطاع التعليم والأهالي خسائر طائلة لإعادة طباعة الكتب في ظل ظروف اقتصادية خانقة، فضلاً عن التلوث البصري والبيئي الحاد للشوارع المحيطة بالمدارس.
ولحل هذه المشكلة، يجب الانتقال من عقلية "العقاب واللوم" إلى عقلية "المعالجة البنيوية والتربوية"، وتحويل "التمزيق" إلى "تدوير واسترداد"، كإطلاق حملات وطنية إلزامية وجاذبة داخل المدارس قبل الامتحانات بأسبوع تحت شعار "كتابي لغيري" أو "صديق البيئة"، بحيث يُلزم الطلاب بتسليم كتبهم ودفاترهم لإعادة استخدامها أو تدويرها، وتخصيص شهادات تقدير أو جوائز معنوية للمدارس والصفوف الأكثر التزاماً، وتغيير نمط التقييم التربوي كالانتقال التدريجي من الامتحانات التقليدية القائمة على الحفظ والتلقين إلى التقييمات المستمرة والمشاريع التطبيقية، مما يقلل من "فوبيا الامتحان" والعداء النفسي تجاه المنهج، فضلاً عن فرض عقوبات ذات طابع مدني وتأهيلي؛ فالطالب الذي يثبت قيامه بالتمزيق، لا يُحرم من الدراسة، بل يُلزم بالمشاركة في تنظيف محيط المدرسة، أو إعادة تجليد الكتب المتضررة في مكتبة المدرسة ليلمس بيده قيمة الجهد المبذول في صناعتها.
وختمت الباحثة الاجتماعية، كلامها بالقول: "إن الأسرة هي المختبر النفسي الأول والخط الدفاعي الأبرز في تشكيل سلوك الأبناء، ورغم الثقل الاقتصادي والنفسي الكبير الذي تعيشه العائلات (خاصة في البيئة السورية حالياً)، إلا أن دور الأسرة يظل حاسماً ولا يمكن استبداله بالمدرسة؛ لأن السلوك التخريبي في الشارع هو نتاج تراكمات تبدأ من داخل المنزل".






