بعد أشهر من الحرائق التي أتت على مساحات واسعة من غابات الساحل السوري، ظهر تحدٍ جديد يتمثل في تصاعد عمليات قطع الأشجار الذي يهدد الغطاء الحرجي ويضعف قدرة المناطق المتضررة على استعادة توازنها البيئي، وبينما تتواصل حملات ضبط المخالفات، يتجاذب المختصون تساؤلات حول مستقبل الغابات السورية في حال استمر استنزافها بالمعدلات الحالية، وما إذا كانت ستتمكن من استعادة ما خسرته خلال السنوات الماضية.
استنزاف يتجاوز خسارة الأشجار
يرى الخبير الزراعي ومؤسس مبادرة المشاريع السورية التنموية، "أكرم عفيف"، أن عمليات قطع الأشجار لم تعد تقتصر على محافظة اللاذقية، بل امتدت إلى قرى في محافظة حماة ومناطق أخرى، موضحاً أن جذور الظاهرة تعود إلى سنوات الأزمة، عندما دفعت تكاليف التدفئة المرتفعة كثيراً من الأسر إلى الاعتماد على الحطب بديلاً عن المحروقات.
ويقول عفيف، في حديثه لـ Syria One، إن ما يحدث اليوم لم يعد مجرد ممارسات فردية، بل أصبح يأخذ طابعاً منظماً، الأمر الذي يجعل الغابات تواجه استنزافاً مستمراً بالتوازي مع آثار الحرائق والتغيرات المناخية.
ويشير أيضاً أن الحرائق الأخيرة التي التهمت مساحات واسعة، قضت على الغطاء النباتي، وهذا ما انعكس على البيئة المحلية من خلال ارتفاع درجات الحرارة وتراجع الرطوبة، بعدما كانت الأشجار تؤدي دوراً مهماً في تنظيم المناخ والحفاظ على التوازن البيئي وهذا ما هو معروف عن منطقة الساحل.
كما يحذر من أن أخطر ما تتعرض له الغابات اليوم هو استهداف المناطق التي بدأت تتعافى بعد الحرائق، موضحاً أن الأشجار الفتية تمثل المرحلة الأولى لاستعادة الغطاء الحرجي، وأن قطعها يعرقل عملية التجدد الطبيعي لسنوات طويلة.
ويضيف أن الخسائر لا تتوقف عند فقدان الأشجار، بل تتضمن أيضاً التربة، إذ تؤدي الجذور دوراً أساسياً في تثبيتها والحد من انجرافها، لافتاً إلى أن بعض المناطق كبلدة شطحة في محافظة حماة التي شهدت خلال الموسم المطري الأخير انهيارات وانجرافات للتربة نتيجة تراجع الغطاء النباتي.
المجتمع المحلي شريك أساسي
ويرى عفيف أن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تعتمد على الإجراءات الأمنية وحدها، بل تتطلب معالجة الأسباب الاقتصادية التي دفعت كثيراً من السكان إلى الاعتماد على الحطب خلال السنوات الماضية، عبر تحسين الظروف المعيشية وتوفير بدائل مناسبة للتدفئة ومصادر دخل مستدامة.
كما يشدد على أن حماية الغابات تبدأ بإشراك المجتمعات المحلية في إدارتها، لا باعتبارها طرفاً في المشكلة، مشيراً إلى أن السكان أثبتوا خلال حرائق الغابات الأخيرة قدرتهم على حماية هذا المورد الطبيعي، عندما شاركوا في عمليات الإخماد والوصول إلى المناطق التي تعذر على فرق الإطفاء بلوغها بوسائل بدائية خاصة بهم.
ويقترح تنفيذ خطط تنموية تتيح للسكان الاستفادة من موارد الغابات بصورة مستدامة، من خلال استثمار منتجاتها بشكل قانوني، والاستفادة من مخلفات الأشجار المحترقة، وتطوير مشاريع لحصاد مياه الأمطار، بما يجعل بقاء الغابة مورداً اقتصادياً أكثر جدوى من استنزافها أو قطعها.
ويؤكد أن تحويل سكان المناطق الحراجية إلى شركاء في حماية الغابات سيضمن استدامة هذا المورد الطبيعي، ويعزز فرص تعافي الغطاء النباتي بصورة أسرع وأكثر فاعلية.
وبين الحرائق المتكررة واستمرار قطع الأشجار، لا يرتبط حماية غابات الساحل بوقف المخالفات فحسب، بل بقدرة الجهات المعنية على تبني رؤية تنموية متكاملة تجعل الحفاظ على الغابة أكثر جدوى من استنزافها، وتحول المجتمعات المحلية من متلقية للضرر إلى شريك رئيسي في حماية أحد أهم الموارد الطبيعية في سوريا.






