ليست أزمة شاحنات فحسب، بل اختبار اقتصادي قد يكلّف لبنان عشرات ملايين الدولارات ويعيد رسم خريطة صادراته البرّية.
في ظل القرار السوري المتعلق بتنظيم دخول الشاحنات اللبنانية إلى أراضيه، تبرز مخاوف جدية من تداعيات اقتصادية مباشرة على لبنان، قد تصل خسائرها التقديرية إلى نحو 100 مليون دولار سنوياً، وهي قيمة الحركة التجارية البرية التي تعبر الأراضي السورية “ترانزيت” نحو الأسواق العربية.
شريان بري وحيد
تشكل سوريا المنفذ البري الوحيد للبنان إلى العمق العربي، ما يجعل أي تغيير في آلية العبور أو الرسوم أو شروط النقل عاملاً حاسماً في تحديد كلفة الصادرات اللبنانية وقدرتها التنافسية.
وفي ظل الأوضاع المعقدة التي أحاطت بالعلاقات بين البلدين خلال السنوات الماضية، بقيت حركة الترانزيت عبر سوريا خاضعة لتحديات سياسية وأمنية ولوجستية متراكمة، سواء قبل سقوط النظام السابق أو في المرحلة الحالية التي لم تستقر فيها العلاقة الثنائية بشكل كامل.
أرقام 2025 تراجع نسبي وضغط متصاعد
بحسب المعطيات المتوافرة، بلغ حجم التصدير اللبناني براً عبر سوريا حتى نهاية شهر آب 2025 نحو 67 مليون دولار.
وقد استحوذت كل من العراق والأردن على الحصة الأكبر من هذه الصادرات، إذ بلغت قيمة الصادرات إلى العراق خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام نحو 29 مليون دولار، فيما سجلت الصادرات إلى الأردن نحو 38 مليون دولار في الفترة نفسها.
ورغم أهمية هذه الأرقام، فإنها تعكس تراجعاً نسبياً مقارنة بالسنوات السابقة. وإذا استمر منحى التصدير بالوتيرة الحالية حتى نهاية العام، فمن المتوقع أن يصل إجمالي الصادرات البرية عبر سوريا إلى نحو 100 مليون دولار مع ختام 2025، وهو رقم يبقى دون طموحات القطاع التصديري اللبناني في ظل حاجته الماسة إلى العملة الصعبة وتحفيز النمو.
الرسوم والقيود.. معادلة الكلفة والتنافسية
تكمن الإشكالية الأساسية في أن أي ضغط إضافي من الجانب السوري، سواء عبر الرسوم المرتفعة أو القيود الإدارية على حركة الشاحنات، سينعكس مباشرة على كلفة النقل البري. ومع ارتفاع التكاليف، تتراجع القدرة التنافسية للمنتجات اللبنانية في الأسواق المستهدفة، لا سيما في العراق والأردن، حيث تلعب فروقات الأسعار دوراً حاسماً في قرارات الاستيراد.
ويحذّر خبراء اقتصاديون من أن استمرار هذا الواقع قد يدفع المصدّرين اللبنانيين إلى تحويل مسار صادراتهم من البر إلى البحر، عبر المرافئ اللبنانية، ما يعني عملياً الانتقال إلى خيار الشحن البحري بدلاً من البري، إلا أن هذا البديل، رغم توفره تقنياً، يحمّل المصدّر أعباء إضافية من حيث الوقت والكلفة والتأمين، ويؤدي في نهاية المطاف إلى ارتفاع سعر المنتج النهائي في الأسواق الخارجية.
تداعيات أوسع على الاقتصاد
لا تتوقف المسألة عند حدود قطاع النقل، بل تمتد إلى قطاعات الإنتاج الزراعي والصناعي التي تعتمد بشكل أساسي على التصدير البري لتصريف جزء مهم من إنتاجها، وفي ظل الأزمة الاقتصادية التي يعيشها لبنان، تمثل الصادرات أحد الأعمدة القليلة القادرة على إدخال العملات الأجنبية وتحريك الدورة الاقتصادية.
وبالتالي، فإن أي انكماش في حركة الترانزيت عبر سوريا لا يُقاس فقط بحجم الخسائر المباشرة المقدّرة بنحو 100 مليون دولار سنوياً، بل أيضاً بتأثيره غير المباشر على فرص العمل، والإيرادات، والاستثمارات في القطاعات الإنتاجية.
بين السياسة والاقتصاد
في المحصلة، تبدو أزمة العبور البري بين لبنان وسوريا أكثر من مجرد خلاف تنظيمي أو إداري، فهي تمس توازنات اقتصادية دقيقة وتضع القطاع التصديري اللبناني أمام مفترق طرق. فإما التوصل إلى صيغة تنسيق تضمن انسيابية الحركة البرية بكلفة مقبولة، أو الدخول في مرحلة إعادة تموضع قسري نحو الشحن البحري، مع ما يحمله ذلك من أعباء إضافية على اقتصاد يعاني أصلاً من ضغوط غير مسبوقة.
الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد الاتجاه، فهل تعود حركة الترانزيت إلى طبيعتها كرافعة للصادرات، أم تتحول إلى نقطة اختناق جديدة في اقتصاد مأزوم؟
اقتصاد
100 مليون دولار على المحك بقرار سوري… التوتر الحدودي يهدد شريان الصادرات اللبنانية
11

مقالات ذات صلة

بعد بيانات الوظائف الأمريكية.. تراجع أسعار الذهب في سوريا مع ارتفاع الدولار عالميا
تراجعت أسعار الذهب في سوريا مع ارتفاع الدولار عالميا بعد بيانات الوظائف الأمريكية
8

صراع الشاحنات على الحدود.. لبنانيون يردون على دمشق بقطع الطريق أمام الشاحنات السورية!
في تطور متصاعد على معابر الحدود البرية بين لبنان وسوريا، أعلنت نقابة مالكي الشاحنات المبردة في لبنان استمرارها في قطع الطريق أمام الشاحنات السورية دخولاً وخروجاً من لبنان
18

سوريا تفتح أبواب الطاقة لعمالقة النفط.. وتتحرك لاستعادة مكانتها كلاعب إقليمي
تفتح سوريا أبواب الطاقة لعمالقة الاقتصاد العالمي، وتتحرك بخطى متسارعة لاستعادة مكانتها كلاعب طاقة إقليمي
12

القمح السوري… من مهد الحضارة إلى معركة الأمن الغذائي
في رغيف الخبز اليومي تختبئ حكاية وطنٍ بأكمله. فالقمح ليس مجرد محصول زراعي في سوريا، بل تاريخ ضارب في عمق الحضارة، وركيزة للأمن الغذائي، وعنوان لسنوات من الاكتفاء والازدهار، قبل أن يتحول إلى تحدٍ استراتيجي في ظل الحرب والجفاف. بين أمجاد الماضي وضغوط الحاضر، تبقى حبة القمح محور صراع الصمود والإنتاج.
26

استعداداً لموسم قمح 2026.. تأهيل صوامع قلعة المضيق بسهل الغاب بسعة 140 ألف طن
أكدت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية، استمرار أعمال تأهيل وصيانة صوامع قلعة المضيق بسهل الغاب شمال غربي حماة، استعداداً لموسم القمح لعام 2026.
28
