اقتصاد

القمح السوري… من مهد الحضارة إلى معركة الأمن الغذائي

26
القمح السوري

في رغيف الخبز اليومي تختبئ حكاية وطنٍ بأكمله. فالقمح ليس مجرد محصول زراعي في سوريا، بل تاريخ ضارب في عمق الحضارة، وركيزة للأمن الغذائي، وعنوان لسنوات من الاكتفاء والازدهار، قبل أن يتحول إلى تحدٍ استراتيجي في ظل الحرب والجفاف. بين أمجاد الماضي وضغوط الحاضر، تبقى حبة القمح محور صراع الصمود والإنتاج.


تُعدّ محاصيل الحبوب الأهم زراعياً في العالم، إذ تشكّل نحو 70% من غذاء سكان الأرض، ويستحوذ القمح والأرز وحدهما على قرابة 50% من الإنتاج العالمي. ويُعتبر القمح من أقدم المحاصيل المزروعة، إذ يمتد تاريخه آلاف السنين، ويزرع عالمياً ضمن نطاق بيئي وجغرافي واسع.


ويُعتقد أن الموطن الأصلي لمعظم أنواع القمح المزروعة هو منطقة الشرق الأوسط، ويذهب بعض الباحثين إلى أن زراعته بدأت في سورية وفلسطين منذ نحو ستة آلاف عام، قبل أن تنتقل شرقاً إلى إيران، وجنوباً إلى مصر، ومنها إلى الهند والصين وروسيا، ثم إلى أوروبا، ليصل لاحقاً إلى الأميركيتين مع المهاجرين الأوروبيين.

أجود أنواع القمح عالمياً

يُعدّ القمح السوري، ولا سيما القمح القاسي، من أجود الأنواع عالمياً. وتشتهر سوريا بأصناف محلية عريقة مثل: الحوراني، الحمرية، يابرودي، إضافة إلى أصناف مطوّرة مثل: شام، دوما، أكساد، وهي أصناف ملائمة للمناخات الجافة، وتتميّز بقدرتها العالية على مقاومة الجفاف والتغيرات المناخية.


ومن بين الأصناف المميزة يبرز نوع "الصويري"، المنسوب إلى بلدة صويري أو المناطق المجاورة، وهو من أصناف القمح القاسي المروي أو البعل عالي الجودة، والمنتشر في السهول السورية، ويُستخدم في صناعة البرغل والمعكرونة.


ويتميّز القمح السوري القاسي بجودة استثنائية تجعله من الأفضل عالمياً، إذ يتمتع بقدرة كبيرة على التكيّف مع مختلف الظروف الجوية وأنواع التربة ومستويات الجفاف والرطوبة، ما يجعله محصولاً استراتيجياً لا يُقدّر بثمن. وتبدأ مواسم زراعته من منتصف تشرين الثاني، وتُعد مناطق الاستقرار الأولى والثانية الأكثر ملاءمة لإنتاجه.

من ذروة الإنتاج إلى الاستيراد

خلال تسعينيات القرن الماضي، احتلت سوريا مرتبة متقدمة في إنتاج القمح، وحققت اكتفاءً ذاتياً، بل وصدّرت الفائض. ورغم تعرّضها لسنوات جفاف، ظلّ الإنتاج يتعافى باستمرار، إذ لم ينخفض بين عامي 1992 و2010 عن ثلاثة ملايين طن سنوياً، باستثناء عام 1999 حين بلغ 2.69 مليون طن، وعام 2008 حيث سجل 2.13 مليون طن.


وبحسب المكتب المركزي للإحصاء، بلغت المساحة المزروعة بالقمح عام 2010 نحو مليون و599 ألف هكتار، منها 44% أراضٍ مروية و56% بعلية تعتمد على الأمطار، بإنتاج تجاوز ثلاثة ملايين طن.
إلا أن الإنتاج شهد تراجعاً حاداً منذ عام 2011، حيث انخفض من 2.8 مليون طن في 2012 إلى نحو 750 ألف طن في 2025.


ويرتبط هذا الانخفاض بتداعيات الحرب على القطاع الزراعي، والتغيرات المناخية والجفاف، وتدمير البنية التحتية، إضافة إلى التحديات الأمنية التي حدّت من قدرة المزارعين على استثمار أراضيهم.

التخزين الاستراتيجي والأمن الغذائي

تُعدّ الصوامع في سوريا ركيزة أساسية للأمن الغذائي، إذ تتركز نحو 60% من طاقتها التخزينية في مناطق الجزيرة، ولا سيما الحسكة والقامشلي، اللتين تضمان وحدهما حوالي 43 صومعة وصويمعة، إضافة إلى صوامع حيوية في الرقة ودير الزور. وتُستخدم هذه المنشآت لتخزين القمح القاسي والمحلي والمستورد.


وقد أُنشئت معظم الصوامع التقليدية على شكل خزانات بيتونية ضخمة (صوامع برجية) خلال عقود سابقة بهدف تعزيز المخزون الاستراتيجي. كما تضمنت الخطط التنموية بناء 53 صويمعة معدنية في مراكز الإنتاج للحد من الهدر وتأمين تخزين آمن بدلاً من التخزين في العراء.


إلا أن هذه المنشآت تواجه اليوم تحديات صيانة كبيرة، إذ تتراوح كلفة تأهيل الصومعة الواحدة بين 10 و15 مليون دولار.


وفي إطار إعادة التأهيل، تعمل الحكومة السورية على إصلاح الصوامع المتضررة لضمان جاهزيتها لمواسم الحصاد، نظراً لاعتماد الدولة عليها في نقل القمح من مناطق الإنتاج شرقاً إلى مناطق الاستهلاك والتخزين في الساحل (طرطوس) وحماة.

المطاحن وحدات أساسية ضمن منظومة الأمن الغذائي

تشهد منظومة مطاحن القمح في سوريا اعتماداً متزايداً على القطاع الخاص ونظام “التشاركية” مع القطاع العام لإعادة تأهيل المطاحن الحكومية المدمرة أو المتوقفة، بهدف سدّ النقص في الإنتاج.


وتبلغ الطاقة الإنتاجية الحالية للمطاحن العامة نحو 2650 طناً يومياً، مع الاستعانة بمطاحن خاصة متعاقدة لتأمين الاحتياجات. وقد عُرضت عدة مطاحن لإعادة التأهيل والاستثمار، منها تشرين"، "الناصرية"، و"الجولان" في ريف دمشق، "غرين غوست" في اللاذقية، "الهدية"، "الرياض"، و"تلكلخ" في حمص، "العالمية"، "سارة"، و"أمان" في طرطوس.


وأوضح مدير عام المؤسسة السورية للحبوب، المهندس حسن العثمان، في تصريحات لوسائل إعلام محلية، أن بعض المطاحن تُدار بنظام التشاركية جزئياً، من خلال مشاركة المستثمرين في إدارة العملية الإنتاجية وتحديث الآلات وخطوط الإنتاج، نظراً لوجود مطاحن مدمرة تحتاج إلى إعادة تأهيل كامل أو جزئي.


وكشف العثمان عن توقيع عقد جديد في محافظة دير الزور لإضافة خط إنتاج بطاقة 200 طن يومياً بنظام تشاركي، حيث يقدم المستثمر خط الإنتاج. كما يجري بحث عقود أخرى بالتوازي مع تلقي عروض من مستثمرين محليين وعرب وأتراك. وتم أيضاً تأهيل مطحنة تلكلخ لتعمل بطاقة 250 طن يومياً.


أما موسم القمح الحالي، فيُعد الأسوأ منذ خمسين عاماً، مع خروج كامل الأراضي البعلية عن الإنتاج. ورغم ذلك، تواصل المؤسسة جهودها للحفاظ على مخزون استراتيجي يكفي لعدة أشهر، مع التعاقد مع موردين جدد واستمرار توريد القمح عبر المرافئ.


وبحسب الإدارة، فإن الوضع العام مطمئن، ونوعية الطحين شهدت تحسناً ملحوظاً، وإن كانت لا تزال دون المستوى المخطط له. وتسعى المؤسسة إلى رفع جودة الإنتاج عبر خطة متواصلة لتحديث خطوط الإنتاج، وتوسيع انتشار المطاحن جغرافياً، وتطوير الخبرات والتقنيات الداعمة لمنظومة الأمن الغذائي.


هكذا يبقى القمح في سوريا أكثر من محصول بل هو عنوان للسيادة الغذائية، ومقياس للصمود، ومعركة مستمرة بين تحديات الواقع وإرادة البقاء.


مقالات ذات صلة

بعد بيانات الوظائف الأمريكية.. تراجع أسعار الذهب في سوريا مع ارتفاع الدولار عالميا

بعد بيانات الوظائف الأمريكية.. تراجع أسعار الذهب في سوريا مع ارتفاع الدولار عالميا

تراجعت أسعار الذهب في سوريا مع ارتفاع الدولار عالميا بعد بيانات الوظائف الأمريكية
7
100  مليون دولار على المحك بقرار سوري… التوتر الحدودي يهدد شريان الصادرات اللبنانية

100  مليون دولار على المحك بقرار سوري… التوتر الحدودي يهدد شريان الصادرات اللبنانية

ليست أزمة شاحنات فحسب، بل اختبار اقتصادي قد يكلّف لبنان عشرات ملايين الدولارات ويعيد رسم خريطة صادراته البرّية
10
صراع الشاحنات على الحدود.. لبنانيون يردون على دمشق بقطع الطريق أمام الشاحنات السورية!

صراع الشاحنات على الحدود.. لبنانيون يردون على دمشق بقطع الطريق أمام الشاحنات السورية!

في تطور متصاعد على معابر الحدود البرية بين لبنان وسوريا، أعلنت نقابة مالكي الشاحنات المبردة في لبنان استمرارها في قطع الطريق أمام الشاحنات السورية دخولاً وخروجاً من لبنان
17
سوريا تفتح أبواب الطاقة لعمالقة النفط.. وتتحرك لاستعادة مكانتها كلاعب إقليمي

سوريا تفتح أبواب الطاقة لعمالقة النفط.. وتتحرك لاستعادة مكانتها كلاعب إقليمي

تفتح سوريا أبواب الطاقة لعمالقة الاقتصاد العالمي، وتتحرك بخطى متسارعة لاستعادة مكانتها كلاعب طاقة إقليمي
12
صوامع قلعة المضيق سهل الغاب

استعداداً لموسم قمح 2026.. تأهيل صوامع قلعة المضيق بسهل الغاب بسعة 140 ألف طن

أكدت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية، استمرار أعمال تأهيل وصيانة صوامع قلعة المضيق بسهل الغاب شمال غربي حماة، استعداداً لموسم القمح لعام 2026.
28
سيرياون إعلان 7