أعادت الفواجع الطبية الأخيرة، التي تم تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي في سوريا، والتي أسفرت عن وفاة فتاتين في مقتبل العمر، بظروف صادمة داخل مشافٍ في دمشق، فتح ملف "الأخطاء الطبية"، وسط مطالب شعبية ملحّة بالمحاسبة والشفافية.
حيث توفيت الشابة الفلسطينية رنين شحادة (24 عاماً)، عقب خضوعها لإجراء طبي داخل مستشفى المجتهد في دمشق، بحسب ما أفادت عائلتها حينها، وسط شبهات بأن تكون الوفاة ناجمة عن خطأ طبي، ومطالب بإجراء تحقيق لكشف ملابسات الحادثة، فقد كانت رنين تعاني من خراج في الفك، وخضعت لعملية جراحية في المستشفى، قبل أن تتعرض لمضاعفات صحية انتهت بوفاتها.
وكانت إدارة مشفى المجتهد نشرت توضيحاً لمجريات الحادثة، أوضحت فيه أن وفاة الشابة نتجت عن اختلاطات حادة ومضاعفات طبيّة متوقعة لحالة "خناق لودفيغ" المتقدمة جداً، مؤكدة اتخاذ كافة الإجراءات الجراحية والإنعاشية وفق الأصول الطبية بعد الحصول على موافقات الأهل، مشيرة إلى أن الحالة تمثلت بانتشار واسع للخراجات وصعوبة شديدة في التنفس استدعت تدخلاً جراحياً عاجلاً وتدابير إنعاش، لم تستجب معها المريضة في العناية المشددة.
وبحسب وسائل إعلام محلية، فإن مصدر خاص في “المجتهد” أكد في وقت سابق، أن وزير الصحة وجه بإحالة ملف وفاة الشابة إلى التحقيق في الرقابة الداخلية لوزارة الصحة لمعرفة فيما إذا كان هناك تقصير في معالجة هذه الشابة.
وفي حادثة أخرى أيضاً، تم تداول مقطع فيديو قبل أيام، يوثق صرخة أخ مكلوم بوفاة شقيقته في إحدى مشافي دمشق، متهماً إدارة المشفى والكادر الطبي بأنها توفيت نتيجة جرعة تخدير زائدة، مؤكداً أنها لا تشكو من "ضغط أو سكر" وهي أم لـ 3 أطفال.
"غمازة" تتحول لخطأ طبي!
وفي حالة أخرى، تروي لانا لموقع "Syria One"، أنها رغبت قبل سنوات بإجراء تجميلي "بسيط"، حيث ذهبت لأحد الأطباء للقيام بـ "غمازة في خدها"، لكن هذه الخطوة تحولت لكابوس ومعاناة استمرت لشهر، حيث قام بقص عضلة، ما أدى لالتهابات منعتها من القدرة على فتح فمها لأيام، مترافقة مع ألم شديد، إلى أن ذهبت لطبيب آخر، وقام بمعالجة الالتهابات والتليّفات، مبينة أنها لم تعد تثق بأي طبيب، وأنها حتى اللحظة تشعر بعد ارتياح في خدها.
ارتفاع عدد الشكاوى
بدوره، نقيب أطباء دمشق، بيّن لوسائل إعلام محلية، أنه لا يمكن الوصول إلى عدد دقيق لحجم الأخطاء الطبية في العاصمة، نظراً إلى توزّع الشكاوى بين أكثر من جهة، متابعاً: "المؤشرات المتوفرة لدى فرع النقابة تُظهر ارتفاعاً لافتاً في عدد الشكاوى بعد مرحلة التحرير، إذ تضاعف العدد تقريباً ثلاث مرّات، وعام 2025 شهد تسجيل 182 شكوى، في حين سُجّلت 53 شكوى خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026، ما يعكس تصاعداً واضحاً في وتيرة التبليغ، وهذا الارتفاع يعكس ارتفاع مستوى الوعي لدى المواطنين بحقوقهم، وزيادة اللجوء إلى القنوات الرسمية لتقديم الشكاوى".
كيف يتعامل القانون
يتحدث المحامي السوري، غيفار دنيا لـ Syria One، عن مفهوم الخطأ الطبي وطبيعة التزام الطبيب، مبيناً أن الخطأ الطبي، هو كل إهمال أو تقصير يصدر عن الطبيب أثناء ممارسته لعمله، بحيث يبتعد عن السلوك الطبي المعتاد لأي طبيب في نفس ظروفه المهنية، أما التزام الطبيب، فهو التزام ببذل عناية، نلاحظ أن الطبيب لا يضمن الشفاء لكن يلتزم ببذل جهود صادقة تتفق مع أصول العلم المستقرة، وهناك التزام بتحقيق نتيجة، يستثنى من الأصل السابق بعض الاختصاصات التي يلتزم فيها الطبيب بتحقيق نتيجة مثل جراحة التجميل التحسينية (لا العلاجية لعلاج تشوه حاد) والفحوصات المخبرية والتحاليل الطبية.
ويضيف دنيا: "أركان قيام المسؤولية الطبية، تتمثل بالخطأ المهني: (الانحراف عن الأصول الطبية مثل الإهمال، قلة الاحتراز، عدم مراعاة الأنظمة أو المبادئ الطبية المستقرة)، والضرر: (الأذى الجسدي أو النفسي أو المادي الذي يلحق بالمريض)، بالإضافة إلى العلاقة السببية: (إثبات أن الضرر الحاصل للمريض هو نتيجة مباشرة للخطأ الذي ارتكبه الطبيب)".
وعن المسؤولية الجزائية، يقول: "تتحرك دعوى الحق العام ضد الطبيب، وتكيف الجريمة كجنحة غير مقصودة، وفق الآتي: التسبب بالوفاة غير المقصود، الحبس من 6 أشهر إلى ثلاث سنوات وفق المادة 550 عقوبات، الإيذاء غير المقصود، الحبس من شهرين إلى سنة وفق المادة 551 عقوبات والإيذاء البسيط (تعطيل عن العمل 10 أيام أو أقل) تُعلق الملاحقة على شكوى المجني عليه".
المسؤولية المدنية والتعويض
تقع المسؤولية على عاتق الطبيب، وفق أحكام القانون المدني السوري، بناءً على أحكام المسؤولية التقصيرية، بحسب دنيا، ويحق للمجني عليه المطالبة بالتعويض المادي كتكاليف العلاج الإضافي من عمليات وأدوية وفترات الكسب والتعطيل عن العمل بسبب العجز، كما يحق له المطالبة بالتعويض المعنوي عن الأضرار المعنوية والنفسية التي لحقت به، ويضيف: "إلى جانب القضاء يحق للمجني عليه، أن يتقدم بشكوى بحق الطبيب المقصر إلى نقابة الأطباء، حيث
تتدرج العقوبات من التنبيه إلى المنع المؤقت من مزاولة المهنة وصولاً إلى الشطب النهائي من جدول النقابة".
وختم المحامي كلامه بالقول: "لا بد من التوضيح، أن إقامة الدعوى من المجني عليه لا يعني أن الضرر تم إثباته، بل يتعين عليه إثبات وقوع الطبيب في الخطأ الطبي من قبل المريض المجني عليه، ويعتمد القضاء كلياً على تقرير اللجان الطبية، التي تشكل من أطباء اختصاصيين لإثبات وقوع الطبيب في الخطأ الموجب للمسؤولية أم لا".






