تفرض أزمات الطاقة وارتفاع تكاليف التدفئة والتبريد في سوريا إعادة التفكير بأساليب البناء، فلم تعد العمارة المستدامة رفاهية، بل ضرورة اقتصادية ومعيشية.
وتؤكد المهندسة المعمارية تسنيم ياسمينة لـ Syria One أن التصميم الذكي والاعتماد على الحلول المحلية قادران على توفير مساكن مريحة وأقل استهلاكاً للطاقة، دون الحاجة إلى تقنيات معقدة أو باهظة.
الاستدامة تبدأ من التصميم
توضح ياسمينة في حديثها لـ Syria One أن البناء الأخضر لا يعني بالضرورة ارتفاع التكلفة، بل يبدأ بدراسة حركة الشمس وتوجيه الغرف والنوافذ للاستفادة من حرارتها شتاءً وتجنب أشعتها المباشرة صيفاً، بما يقلل الاعتماد على التدفئة والتكييف، خصوصاً مع محدودية الكهرباء وارتفاع أسعار المحروقات.
وتشير إلى أهمية العزل الحراري للجدران والأسقف منذ مرحلة الإنشاء، فرغم تكلفته الأولية الإضافية، فإنه يحقق وفورات تراكمية في فواتير الطاقة والصيانة، مقارنة بالحلول المتأخرة التي تُنفذ بعد اكتمال البناء.
مواد محلية وتراث معماري
وتلفت ياسمينة إلى إمكانية الاستفادة من مواد البناء المحلية، كالحجر الطبيعي والبلوك الخفيف المصنوع من مواد بركانية والطين المضغوط، شريطة مراعاة السلامة الإنشائية والخصائص المناخية والتكلفة. فليست كل مادة طبيعية رخيصة، ولا كل مادة حديثة أكثر كفاءة.
وتستحضر تجربة البيت الدمشقي التقليدي، حيث أسهمت أرض الديار في الإضاءة والتهوية الطبيعية، وساعدت الأشجار والبحرة والجدران السميكة وتوزيع الظلال على تلطيف الحرارة. وترى أن المطلوب ليس استنساخ العمارة القديمة، وإنما تطوير مبادئها بما يتناسب مع احتياجات السكن المعاصر.
الاقتصاد يعرقل التطبيق
تعتبر ياسمينة أن ضعف القدرة الشرائية يدفع أصحاب المشاريع إلى التركيز على أقل تكلفة إنشائية، متجاهلين النفقات التشغيلية المستقبلية. ويضاف إلى ذلك محدودية الوعي بمزايا البناء المستدام والحاجة إلى عمالة مؤهلة لتنفيذ العزل واستخدام المواد المناسبة بكفاءة.
وتؤكد أن مسؤولية المهندس تتجاوز إعداد المخططات إلى توعية المالك بالخيارات التي تخفض استهلاك الطاقة وتحميه من تكاليف إضافية مستقبلاً.
إعادة الإعمار فرصة للتغيير
ترى ياسمينة أن إعادة الإعمار تتيح اعتماد معايير استدامة تبدأ من المبنى وتمتد إلى التخطيط الحضري، عبر دمج الألواح الشمسية في التصاميم منذ البداية بدلاً من تركيبها عشوائياً، وتوفير المساحات الخضراء وتنظيم توزع الأبنية لضمان التهوية والإضاءة الطبيعية.
كما تدعو إلى تأهيل المباني القائمة السليمة إنشائياً وتحسين عزلها وتجهيزاتها، باعتباره خياراً قد يكون أوفر اقتصادياً وبيئياً من الهدم وإعادة البناء.
وتختم ياسمينة حديثها لـ Syria One بأن مستقبل العمارة السورية لا يرتبط بالمباني الحديثة وحدها، بل بالقدرة على الجمع بين خبرات التراث والتقنيات المعاصرة، لبناء مساكن ومدن أقل استهلاكاً للطاقة وأكثر قدرة على مواجهة الأزمات، بما يجعل الاستدامة حاجة يومية للمواطن وليست امتيازاً للأثرياء.






