في أزقة الورش السورية التي تفوح منها رائحة النجارة والنشارة العتيقة، لا تبدأ كل القصص بشغف متوارث عبر الأجيال، بعضها يبدأ بعزيمة البحث عن فرصة عمل وتحدي الظروف، ليتطور الأمر إلى عشق للتفاصيل وحرفة تبث الحياة في الصامت من المواد.
مشروع "ميرا" للأثاث والديكور الخشبي يقدم اليوم نموذجاً حرفياً سورياً لافتاً، يقوده غيث مظفر، متجاوزاً العقبات الاقتصادية وظروف السوق لتسجيل اسم اعتمد المصداقية كمعيار أساسي.
من صدفة البحث عن عمل إلى شغف العصامية
لم تكن البداية مفروشة بالورود، ولا كان الطريق ممهداً بوراثات عائلية في عالم النجارة، هكذا قال غيث لـ Syria One موضحاً أنه لم يكن يعرف شيئاً عن هذه المهنة في البدايات، ولم تكن بالنسبة له حرفة عائلية وُرثت عن الأجداد.
موضحاً أن قصته بدأت كأي شاب سوري يبحث عن فرصة عمل حقيقية ويسعى لبناء مستقبله بجده الشخصي، ومع مرور الوقت، والتكرار، والتعلّم الذاتي المتواصل، بدأت التفاصيل تتكشف أمامه شيئاً فشيئاً، حتى تحول العمل الصامت مع الخشب من مجرد وسيلة لكسب العيش إلى شغف وهواية
المعايير رأس المال الحقيقي
إنشاء مشروع يدوي وحرفي في سوريا اليوم يضع الصانع أمام تحديات تتعدى حدود التصميم، لتصطدم بظروف الطاقة، وتذبذب أسعار المواد الخام، وتقلبات القوة الشرائية في السوق، وحول كيفية الحفاظ على استمرارية الإنتاج دون المساومة على الجودة، أكد غيث لـ Syria One أن تأمين المواد الأساسية الممتازة وضمان عدم انقطاع خط الإنتاج وسط أزمات الطاقة وتغيرات السوق كان التحدي الأكبر بالنسبة له، لكنه اتخذ قراراً منذ اليوم الأول بعدم التنازل عن معايير الجودة مهما كانت الظروف، في النهاية، الزبون لا يبحث عن أسباب الأعذار بل يبحث عن القطعة التي تدوم، ثقة الناس والمصداقية هما رأس المال الحقيقي والوحيد في السوق، كما يؤكد غيث.
تكامل التنفيذ اليدوي
ما يميز مشروع "ميرا" ليس فقط جودة المنتج النهائي، بل آلية العمل المتكاملة التي تجمعه مع شقيقه في بعض الأحيان، حيث نرى توزيعاً مهنياً دقيقاً يوازن بين النظرية والتطبيق، وعن هذه الشراكة، أضاف غيث في تصريحاته لـ Syria One: "الشراكة مع أخي هي العمود الفقري والسر الحقيقي لقوة "ميرا". لقد قسمنا المهام بناءً على المهارات، حيث يتولى أحدنا الجانب الهندسي، والتصميم، والتخطيط، ودراسة المساحات والأبعاد، بينما يتولى الآخر العمل الميداني في الورشة، والتعامل المباشر مع الخشب وتطويعه يدوياً، ويتابع غيث: "هذا الانسجام والتكامل بين الفكرة الهندسية والتنفيذ اليدوي هو ما يضمن خروج كل قطعة بأعلى درجات الإتقان والجمالية"
فلسفة العمل.. "الخشب له روح"
في عالم طغت عليه المنتجات الجاهزة والنمطية المستوردة، يصر القائمون على مشروع "ميرا" على إضفاء طابع إنساني ودائم على كل ما تصنعه أيديهم، حيث ينقل غيث لـ Syria One رؤيته الخاصة، التي تؤكد دائماً على الإيمان بنظرية بسيطة: "الخشب له روح"
ويبين غيث أن الزبون عندما يقصده، فهو لا يشتري مجرد قطعة أثاث تجارية صامتة مكررة في ألف منزل، فهو يمنحه قطعة وراءها قصة، وتعب يدوي، وإحساس بالدفء والمتانة، مركزاً على التفاصيل الدقيقة التي تصنع الفارق الحقيقي بين ما هو مصنوع بحب وما هو مصنّع آلياً بدافع التجارة فقط
الصدق.. الجسر مع الجمهور
اختارت "ميرا" أن تفتح أبواب ورشتها أمام المتابعين على منصات التواصل الاجتماعي، لنقل كواليس العمل اليومية بكل ما فيها من تعب، وغبار، ولحظات تركيب معقدة، بعيداً عن الصور التجميلية الجاهزة، وبوضح غيث لـ Syria One أن الجمهور اليوم أصبح لديه ذائقة ذكية ويفضل رؤية الواقع كما هو، وعندما شارك الناس كواليس العمل العفوية والتعب الحقيقي داخل الورشة، شعر أنهم جزء لا يتجزأ من عائلته ومن رحلة نمو "ميرا"، هذا الصدق البسيط أثبت للجميع أن الأيادي والحرفية السورية قادرة على تقديم منتج منافس وبجودة تضاهي العروض العالمية ومع تحول الشغف من مجرد فكرة بسيطة إلى علامة مرتبطة بالجودة، يتطلع القائمون على "ميرا" إلى التوسع بشكل أكبر وتطوير أدوات العمل، تاركين بصمة خاصة في عالم الديكور السوري، ومؤكدين أن الحرفة السورية تبقى حية بقدرة أبنائها على الابتكار والاستمرار.






