حين تنقطع أسطوانة الغاز وترتفع فاتورة الكهرباء، لا تكون المسألة خدمية عابرة، بل تتحول إلى اختبار سياسي مباشر لقدرة الدولة على حماية أمنها الطاقي وصون استقرارها الاجتماعي.
الأيام الأخيرة شهدت تصاعداً في وتيرة الاحتجاجات الشعبية على خلفية أزمة الكهرباء واختناق الغاز المنزلي، حيث عبّر مواطنون عن عجزهم عن تحمّل الفواتير الجديدة بعد رفع الأسعار. وتحول ملف الطاقة إلى قضية رأي عام، مع اتساع الانتقادات لأداء وزارة الطاقة، واعتبار أن القرارات الأخيرة لا تراعي الواقع المعيشي ولا القدرة الشرائية.
انقطاع الغاز وارتفاع الأسعار.. ضغط مزدوج على الأسر
جاء نقص الغاز المنزلي، وفق التوضيحات الرسمية، نتيجة تأخر تفريغ بواخر بسبب سوء الأحوال الجوية، غير أن التأثير كان فوريًا على السوق، في ظل اعتماد كبير على التوريد البحري. بالتوازي، أثار رفع أسعار الكهرباء استياءً واسعًا، خاصة مع استمرار الانقطاعات وتراجع الإنتاج مقارنة بما قبل الحرب، ما عمّق الإحساس بغياب التوازن بين الكلفة والخدمة.
وفي خضم هذا الاحتقان، تصاعدت دعوات لإقالة وزير الطاقة محمد البشير، باعتبار أن إدارة القطاع لم تنجح في احتواء الأزمة أو تقديم بدائل سريعة. ويرى منتقدون أن غياب المخزون الكافي ومرونة الإمداد كشفا خللًا في التخطيط الاستراتيجي.
محلل ن قالوا إن الأزمة تطرح أسئلة أعمق من الظرف اللوجستي.. ما حجم المخزون الاحتياطي؟ ما مدى تنوع مصادر التوريد؟ وهل تملك البنية التحتية القدرة على امتصاص الصدمات المناخية أو الجيوسياسية دون انعكاسات اجتماعية حادة؟
مفهوم أمن الطاقة
لم يعد أمن الطاقة مفهوماً تقنياً يقتصر على ضمان توافر الوقود لتشغيل المصانع أو تلبية احتياجات الجيوش، كما كان يُنظر إليه في بدايات القرن العشرين، بل تطوّر ليصبح ركيزة من ركائز الأمن القومي والاستقرار الاقتصادي.
ويُعرَّف أمن الطاقة بأنه ضمان توفر مصادر الطاقة من نفط وغاز وكهرباء وطاقة متجددة بصورة مستمرة وغير منقطعة، وبأسعار معقولة ومستقرة، بما يحفظ انتظام الحياة اليومية ويصون النمو الاقتصادي.
ويرتبط المفهوم ارتباطاً وثيقاً بحماية البنية التحتية الحيوية من المخاطر الطبيعية أو الأمنية، وبسياسات تنويع مصادر الإمداد لتجنب الارتهان لمورد واحد أو مسار توريد وحيد.
ويرتكز أمن الطاقة على أربعة أبعاد أساسية، التوافر من خلال وجود موارد أو عقود إمداد كافية، وإمكانية الوصول عبر شبكات نقل وتوزيع مرنة وآمنة، والقدرة على تحمل التكاليف بما يضمن استقرار الأسعار وعدم تحميل المستهلك أعباء مفرطة، والمقبولية التي تراعي الاعتبارات البيئية والاجتماعية في ظل التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة.
وبهذا المعنى، أصبح أمن الطاقة مؤشراً سياسياً يعكس قدرة الدولة على إدارة مواردها الاستراتيجية والتكيّف مع تقلبات الأسواق والتحديات الجيوسياسية والتغير المناخي، ضمن رؤية بعيدة المدى تتجاوز منطق الاستجابة الآنية للأزمات.
أمن الطاقة سياسياً واستراتيجياً
يُعد أمن الطاقة جزءًا لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي، لأنه يرتبط بقدرة الدولة على حماية قرارها السيادي وضمان استقرارها الداخلي في مواجهة الضغوط الخارجية. فالدولة التي لا تملك إمدادات مستقرة ومتنوعة من الطاقة تصبح أكثر عرضة للابتزاز السياسي أو التأثر بالتقلبات الجيوسياسية، سواء عبر العقوبات أو النزاعات أو اضطرابات سلاسل التوريد.
من هذا المنظور، لا يقتصر أمن الطاقة على توفير الوقود أو الكهرباء، بل يشمل بناء مخزون استراتيجي كافٍ، وتنويع مصادر الاستيراد، وتطوير الإنتاج المحلي، وتعزيز الشراكات الدولية بما يقلل المخاطر.
كما يتضمن حماية البنية التحتية الحيوية من محطات التوليد وخطوط الأنابيب إلى شبكات الكهرباء باعتبارها أهدافًا حساسة في أوقات الأزمات أو الصراعات.
استراتيجيًا، يُنظر إلى الطاقة بوصفها أداة قوة ونفوذ في العلاقات الدولية. فالدول المصدّرة تستخدم مواردها كورقة تأثير، بينما تسعى الدول المستوردة إلى تقليل الاعتماد الأحادي عبر تنويع الموردين أو الاستثمار في الطاقة المتجددة.
لذلك، يشكّل أمن الطاقة عنصرًا أساسيًا في التخطيط بعيد المدى، لأنه يوازن بين متطلبات الاقتصاد، واعتبارات الاستقرار الاجتماعي، وحسابات السياسة الخارجية.
وبهذا المعنى، فإن أي خلل في منظومة الطاقة لا يُقرأ فقط كأزمة خدمية، بل كمؤشر على مستوى الجاهزية الاستراتيجية للدولة وقدرتها على إدارة مواردها الحيوية في بيئة دولية معقدة ومتغيرة.






