في 26 ديسمبر 2025 شهدت مدينة حمص وسط سوريا تفجيرًا دمويًا استهدف مسجد الإمام علي بن أبي طالب الواقع في حي وادي الذهب، أثناء صلاة الجمعة، مما أسفر عن استشهاد ثمانية أشخاص وإصابة نحو 18 آخرين، وفقًا للبيانات الرسمية والتحقيقات.
الحادث وقع داخل مسجد في منطقة ذات غالبية علوية، وقد أُطلق على الحادث من قبل السلطات وصف "هجوم إرهابي"، وأكدت وجود عبوات ناسفة مزروعة داخل المسجد.
وقد تبنت جماعة تدعى "سرايا أنصار السنّة" وهي تنظيم متطرف غير معروف على نطاق واسع مسؤوليتها عن الهجوم عبر منصات التواصل، معلنةً أن عناصرها نفذوا التفجير داخل المسجد، وهددت بمزيد من العمليات.
هذه الحادثة ليست معزولة في سياق سوريا الحالية، بل تأتي في خضم تصاعد أعمال عنف إرهابي منذ سنوات الحرب وما بعدها.
وفي التحليل السياسي للأحداث الراهنة، يمكن رصد عدة آليات استخدمت هذه الأعمال العنيفة كوسيلة لإشعال التوتر الطائفي وزيادة الانقسامات، وهي آليات مشابهة في بعض جوانبها لما شهدته دول أخرى مثل العراق وأفغانستان في فترات النزاع.
أولًا، اختيار الهدف الرمزي هو محور أساسي. فالمساجد، وخاصة تلك المرتبطة بمجتمعات دينية محددة، ليست أهدافًا عشوائية، بل تُستخدم كرموز اجتماعية ودينية لخلق استفزاز عاطفي واسع.
التفجير أثناء صلاة الجمعة، وهي من أكثر اللحظات تجمعًا للمصلين، يزيد الأثر النفسي والاجتماعي، ويُبرز الانقسام الطائفي.
ثانيًا، استغلال الجماعات المتطرفة كأدوات تنفيذ يَمنح الواقعة بعدًا أيديولوجيًا يمكن توظيفه سياسيًا أو أمنيًا.
تنظيمات مثل "سرايا أنصار السنّة" تستخدم خطابًا يرى في الطوائف الأخرى "هدفًا مشروعا"، وهي نفس الخطابات المستخدمة من قبل جماعات في العراق وأفغانستان سابقًا لتحريك النزاعات بين المكونات.
ثالثًا، حادثة التفجير تأتي في سياق محاولات تقويض الاستقرار بينما البلاد تمر بمرحلة انتقال سياسي نحو بناء مؤسسات جديدة، وذلك بحسب تصريحات وزارية سورية وأطراف دولية دانت الحادث واعتبرته محاولة لإضعاف جهود السلام والاستقرار. وزارة الخارجية السورية وصفت التفجير بأنه يأتي في إطار "محاولات يائسة لزعزعة الاستقرار".دول عربية وغربية أيضًا اعتبرت الهجوم جزءًا من استراتيجية لإضعاف العملية السياسية في سوريا من قبل عناصر معادية للسلام.
رابعًا، الإعلام يضخم الانقسام من خلال تسليط الضوء على أبعاد الطائفة والأيديولوجيا بدل التركيز على الاعتداء الإرهابي كفعل إجرامي منفصل. الاستخدام الواسع لمفردات مثل «العلويين» و«سرايا أنصار السنّة» في الأخبار يعزز الإحساس بأن الصراع قائم على أساس طائفي عميق، ما يزيد من الفرز الاجتماعي.
خامسًا، هذا الهجوم يذكّر بأساليب أدت في الماضي إلى دوامة انتقامية بين مكونات المجتمع، مثال حادثة في مسجد لطائفة ما تُستخدم ذريعة لإثارة غضب داخل تلك الطائفة، ما يدفع بعض العناصر للاستجابة بردود عنيفة أو استقطاب مزيد من الدعم لأفكار طائفية. وهذا ما سُجل في العراق بعد تفجيرات مماثلة في مساجد ومواقع دينية.
أخيرًا، العمل الإرهابي ليس فقط عملًا عسكريًا، بل جزء من حرب نفسية واستراتيجية طويلة المدى تهدف إلى استغلال نقاط الضعف في النسيج الاجتماعي.
فاختيار أهداف دينية وأماكن عبادة، خصوصًا في أوقات صلاة مكتظة، يخلق تداعيات أعمق من مجرد الخسائر البشرية: يعمّق الخوف، ويزيد الاحتراب بين السكان، ويقلل الثقة المتبادلة في المجتمع والسياسات الأمنية الجديدة.
في نهاية المطاف، مواجهة مثل هذه الأحداث تتطلب نهجًا أمنيًا متكاملًا، وتعاونًا مجتمعيًا عابرًا للطوائف، وتركيزًا إعلاميًا على رفض العنف بحدّ ذاته وليس على خلفياته الطائفية، لتقويض الأثر المنشود من مثل هذه الهجمات الإرهابية.
سياسي
تفجير مسجد الإمام علي في حمص بين الإرهاب وجيوب التوتر الطائفي
432

مقالات ذات صلة

وول ستريت جورنال: ضعف إيران يعني مزيداً من العزلة لإسرائيل
حملت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية على متنها مقالا بعنوان ضَعف إيران يعني مزيداً من العزلة لإسرائيل
200

هولندا تعتقل 12 سوريا بتهمة الترويج لتنظيم الدولة عبر الإنترنت
اعتقلت هولندا 12 سوريا بتهمة الترويج لتنظيم الدولة، عبر شبكة الإنترنت
59

الكونغرس يحذر: الهجمات على قسد والانتهاكات بحق الأقليات غير مقبولة
عقدت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي اليوم الثلاثاء 10 فبراير/شباط 2026 جلسة استماع رسمية مفتوحة تحت عنوان «سوريا عند مفترق طرق: "تحديات السياسة الأميركية بعد الأسد"
82

من الوساطة إلى العدالة.. فرنسا تحدد أولوياتها في الملف السوري
تشهد السياسة الفرنسية تجاه سوريا حراكاً نشطاً، شمل دوراً في نقل الرسائل بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية قسد، ومواقف واضحة تتعلق بوحدة البلاد والسيادة
82

وثائق إبستين.. زلزال يهز أميركا والعالم
تتفاعل قضية إبستين بشكل متسارع، وتتخطى تداعياتها كالزلزال حدود الولايات المتحدة لتصل إلى كل أرجاء العالم
84
