لم يعد استقبال المولود الجديد في عصر المنصات الرقمية مجرد لحظة فرح عائلي دافئة تختصرها صرخات الطفولة الأولى، بل تحول لدى قطاع واسع من المؤثرات وصانعات المحتوى إلى مهرجان استعراضي متكامل تنطلق تفاصيله من تجهيز "حقيبة المستشفى"، وفي خضم هذا الصخب البصري الذي تفرضه خوارزميات السوشال ميديا، تقف آلاف الأمهات الحوامل وجهاً لوجه أمام معايير وهمية وقاسية لمنتجات فاخرة وتجهيزات باهظة الثمن، وبين أم تبحث عن أبسط مقومات الأمان الصحي لمولودها ولا تجد إليها سبيلاً، وأخرى توثق تفاصيل مخملية تفوق قدرة الخيال، تتكشف حكاية قاسية تعريها شهادات حية من قلب الواقع السوري، لنقترب أكثر من مأساة "المقارنة القسرية" وأثرها المدمر على نفسية الأم الجديدة.
حقيبة المستشفى تتحول إلى جبل من القلق والعجز
تقف الشابة عبير حسين، الحامل في شهرها الثامن، على حافة تساؤلات قلقة لا تنتهي كلما فتحت تطبيق الانستغرام وظهرت في وجهها مقاطع الفيديو المصورة باحترافية عالية عن "ترتيب شنتة الولادة". تعيش عبير في منزل متواضع، وتكابد مع زوجها لتأمين تكاليف المعيشة الأساسية، حيث تفصلها مسافات شاسعة عن تلك الصورة النمطية التي تعرضها البلوغرز والصفحات التجارية لعلب العناية المستوردة، والملابس ذات العلامات العالمية، ومستلزمات التزيين الفاخرة لغرفة المستشفى. وفي حديث خاص لمنصة Syria One، تصف عبير تلك المشاهد بأنها خنجر حقيقي يطعن قلبها كاميرا بعد كاميرا، مشيرة إلى أنها تقضي لياليها في البكاء والخوف من أن تكون "أماً مقصرة" لأنها لا تستطيع شراء حتى عُشر ما تعرضه تلك الحسابات، ولأنها تكتفي بقطع قطنية بسيطة ومستعملة جهزتها بحب لكنها تبدو في عيون السوشال ميديا "مخجلة" أو غير لائقة. وتتساءل عبير بمرارة عن الذنب الذي اقترفته لتعيش هذا الشعور بالعجز في أكثر لحظات حياتها حاجةً للطمأنينة والدعم النفسي.
عالم البهارج الافتراضية ومسؤولية صناعة المحتوى الاستعراضي
في المقابل، تقول "أمل الياسمينة" الحامل بشهرها الخامس إنها تسعى للحاق بعالم ترندات السوشيال ميديا الذي يعتاش على الاستعراض وبيع الوهم البصري للمتابعين.
وفي طرحها المدافع عن نشاطها، تؤكد أمل لـ Syria One أنها تسعى لتقدم عبر صفحتها محتوى يندرج تحت باب "المحتوى الترفيهي الجميل" الذي تحبه النساء وتطلبه الشركات الراعية لتسويق منتجاتها، معتبرة أن من حق الأم التي تملك المال أن تظهر بأجمل حلة وتوثق أجمل لحظات عمرها بكل تفاصيلها المبتكرة. وحين تُسأل أمل عن الأثر النفسي المدمر لهذه المقاطع على الأمهات البسيطات اللواتي لا يملكن ثمن حفاضة أجنبية أو حقيبة مصممة خصيصاً للمناسبة، ترد بأن وسائل التواصل الاجتماعي هي نافذة افتراضية وليست مرآة للواقع الإلزامي، لافتة إلى أن الجمهور هو من يرفع نسب المشاهدة والتفاعل لهذه الفيديوهات
تسليع الأمومة وفرض القوالب القاسية
تتحمل صفحات المؤثرات والبلوغرز المسؤولية الأكبر في تكريس هذه الهوة الطبقية والنفسية بين النساء الحوامل، حيث تتفنن في ابتكار شروط معقدة لما يجب أن تحتوي عليه حقيبة المستشفى، بدءاً من المناديل المعطرة ذات الأسعار الفلكية، مروراً بالأغطية المطرزة بأسماء المواليد، وصولاً إلى أدوات الضيافة الخاصة بالزوار. وتشير المتابعات الميدانية إلى أن هذه الحسابات تستغل هشاشة الأمهات الجدد في فترة الحمل وما يصاحبها من تقلبات هرمونية، لتروج لمنتجات كمالية بحتة على أنها "ضرورة لا غنى عنها" لكل أم عصرية. هذا التسليع الفظيع للأمومة أدى إلى خلق شعور جماعي بالدونية لدى الشريحة الأوسع من النساء اللواتي يعانين من ضيق الحال، محولات فرحة القدوم الجديد إلى كابوس من التوتر واللهاث خلف مظاهر كرتونية لا تترك خلفها سوى الديون والإنهاك النفسي.
البعد النفسي واكتئاب النفاس
تتجاوز تداعيات هذا التريند حدود الانزعاج العابر لتصل إلى أعماق البنية النفسية للأم الجديدة في فترة بالغة الحساسية تعرف طبياً ونفسياً بمرحلة ما قبل وما بعد الولادة حيث تؤكد الدراسات والتقارير النفسية أن تعرض الحامل لموجات متواصلة من صور الكمال الزائف عبر الانستغرام يولّد لديها اضطرابات قلق حادة، وشعوراً مزمناً بالنقص، واكتئاباً مبكراً يمنعها من الاندماج العاطفي السليم مع طفلها المولود.
وفي الوقت الذي تحتاج فيه الأم إلى بيئة حاضنة ومطمئنة تخفف عنها أعباء الألم والجهد الجسدي، تجد نفسها وحيدة في حلبة صراع وهمية تقارن فيها حقيبتها المتواضعة بحقائب المشاهير، مما يفرغ لحظة الولادة المقدسة من مضمونها الإنساني الخالص ويحولها إلى ساحة استعراض خاوية من المعنى.
الدفء الحقيقي خارج شاشات العرض
في نهاية المطاف، لا تحتاج الطفولة البريئة إلى كل تلك البهارج الاستعراضية، ولا يكترث المولود الجديد بما إذا كانت حقيبة أمه تحمل علامة تجارية باهظة أو وُضعت في غرفة مزينة بمئات الدولارات، فكل ما يطلبه الرضيع هو دفء الحنان، وسلامة الرعاية، وحليب الأم النقي.
وتبقى رسالة هذه المادة خطاً أحمر في وجه ثقافة الاستهلاك الرقمي، في محاولة لدعوة المجتمع بأسره إلى حماية الأمهات الجدد من المقارنات الظالمة، وإعادة الاعتبار للقيم الإنسانية البسيطة التي تجعل من الأمومة رحلة حب حقيقية لا شاشات عرض مزيفة.






