مجتمع

خوف من الالتزام أم واقع اقتصادي خانق؟ الباحثة كردي لـ Syria One: "فكرة الزواج أصبحت أقل جاذبية"

3
الزواج عبر الانترنتلميس حسين

لم يعد الحديث عن تراجع الإقبال على الزواج في سوريا مجرد انطباع عام أو ظاهرة عابرة، بل تحوّل إلى ملف اجتماعي متكامل تتداخل فيه العوامل الاقتصادية والنفسية والسلوكية، وتنعكس آثاره على بنية الأسرة ومستقبل العلاقات العاطفية.


ومع اشتداد الأزمات المعيشية وارتفاع تكاليف الحياة، برزت ظاهرة موازية تتمثل في التعارف والزواج عبر الإنترنت، كبديل يلجأ إليه الشباب داخل البلاد وخارجها، في محاولة لتجاوز المسافات والظروف التي فرضتها الحرب والهجرة.


مغامرة غير محسوبة


تقول الباحثة النفسية والمستشارة الأسرية عزة كردي لـ Syria One إن فهم عزوف الشباب عن الزواج يتطلب النظر إلى الواقع الاقتصادي أولاً، فتكاليف المعيشة ارتفعت إلى مستويات غير مسبوقة، وأزمة السكن باتت عائقاً أساسياً أمام أي مشروع ارتباط، مضيفة أن البطالة أو عدم استقرار الدخل جعلت فكرة تأسيس أسرة تبدو مغامرة غير محسوبة، بينما تحولت المهور ومتطلبات الزفاف إلى عبء يفوق قدرة معظم الشباب.


وترى كردي أن هذه الضغوط المادية ترافقت مع تغيرات اجتماعية عميقة، إذ أصبح كثير من الشباب يفضلون استكمال تعليمهم أو تحقيق استقلالهم المهني قبل التفكير بالارتباط، كما أن ارتفاع معدلات الطلاق خلق نوعاً من الخوف الجماعي من الفشل، ما جعل فكرة الزواج أقل جاذبية وأكثر تعقيداً.


عقدة الالتزام


العوامل الاقتصادية والاجتماعية ليست وحدها في المشهد، فبحسب كردي هناك أسباب نفسية لا تقل تأثيراً، أبرزها الخوف من فقدان الحرية الشخصية، وتردد البعض في تحمل مسؤوليات طويلة الأمد، إضافة إلى ما تسميه "عقدة الالتزام"، وهي حالة تنشأ غالباً نتيجة تجارب عاطفية سابقة غير ناجحة أو مشاهدات محبطة في محيط الأسرة والأصدقاء، هذه العوامل مجتمعة جعلت الزواج التقليدي خياراً مؤجلاً أو مستبعداً لدى شريحة واسعة من الشباب.


كذلك لعبت الهجرة دوراً محورياً في إعادة تشكيل العلاقات العاطفية، فمع تشتت الأسر وتوزع أفرادها بين دول مختلفة، أصبحت العلاقات عن بُعد واقعاً مفروضاً، ووجد كثيرون في الإنترنت وسيلة لتعويض الفقد العاطفي أو البحث عن شريك خارج الحدود.


وتوضح كردي أن الإنترنت كسر الحواجز الجغرافية والطبقية، وفتح الباب أمام خيارات واسعة للتعارف، لكنه في الوقت نفسه خلق نمطاً جديداً من العلاقات السريعة التي قد تبدو قابلة للاستبدال بسهولة، ما جعل بعض الروابط هشّة وغير مستقرة.


زواج رقمي


وبخصوص الزواج عبر الإنترنت، ترى كردي في حديثها لـ Syria One أنه ليس ظاهرة صحية أو خطرة بحد ذاته، بل أداة تعتمد نتائجها على وعي الطرفين، فحين يُستخدم التعارف الإلكتروني كبداية فقط، ثم ينتقل سريعاً إلى لقاءات واقعية ومعرفة العائلتين، يمكن أن يكون مدخلاً ناجحاً لعلاقة متوازنة، أما حين يبقى محصوراً في العالم الافتراضي، ويُبنى على صور مثالية أو معلومات غير دقيقة، فإنه يتحول إلى مساحة خصبة للخيبات والاحتيال العاطفي والمادي، مشيرة إلى أن تقييم جدية الطرف الآخر يتطلب مراقبة تطابق الأقوال مع الأفعال، ووضوح الخطط المستقبلية، والرغبة في إشراك الأهل مبكراً، إضافة إلى عدم التهرب من اللقاء الواقعي عند توفر الظروف.


قصص متباينة


وتتعدد قصص النجاح والفشل في هذا النوع من العلاقات، فهناك من بدأوا تعارفهم عبر الإنترنت ثم توّجوه بزواج مستقر، وهناك من اكتشفوا بعد أشهر طويلة من التواصل أن الطرف المقابل قدّم صورة مختلفة تماماً عن واقعه، بعض القصص انتهت بخسارات مالية أو عاطفية، وأخرى تحولت إلى شراكات حقيقية أثبتت أن الإنترنت ليس سوى وسيلة، وأن جوهر العلاقة يبقى في الصدق والوضوح والقدرة على مواجهة الواقع.


زواج يفتقر إلى الأصل


أما على المستوى القانوني، فتبرز تحديات إضافية، خصوصاً عندما يكون الطرفان من بلدين مختلفين، فتوثيق العقود العابرة للحدود قد يكون معقداً، والتحقق من البيانات الشخصية مثل الحالة الاجتماعية أو السوابق القانونية ليس سهلاً، وتوضح كردي أن هذه التعقيدات تجعل بعض الزيجات الإلكترونية عرضة للمشاكل لاحقاً، خاصة إذا لم تُبنَ على أسس واضحة منذ البداية.


واجتماعياً، لا تزال هناك نظرة متحفظة تجاه الزواج عبر الإنترنت، إذ يعتبره البعض زواجاً يفتقر إلى الأصل أو المعرفة العميقة بالخلفية العائلية، بينما يرى جيل الشباب أنه خيار عصري يتناسب مع إيقاع الحياة الحديثة.


في النهاية، يبدو أن العزوف عن الزواج وصعود الزواج عبر الإنترنت هما وجهان لتحولات اجتماعية واقتصادية عميقة تعيشها سوريا، فبين ضغوط المعيشة، وتغير توقعات الأجيال، واتساع الفجوة بين الواقع والطموح، يبحث الشباب عن طرق جديدة لبناء علاقاتهم، سواء عبر الطرق التقليدية أو الرقمية.


وتؤكد الباحثة عزة كردي أن الحل لا يكمن في رفض هذه الظواهر أو تبنيها بالكامل، بل في تعزيز الوعي، وتخفيف الضغوط الاقتصادية، وفتح نقاش مجتمعي صريح حول معنى الزواج اليوم، وكيف يمكن أن يبقى مؤسسة قادرة على الصمود في وجه التغيرات المتسارعة.


مقالات ذات صلة

النساء يمتلكن قدرة أعلى على تذكر الوجوه وتفاصيل الأحداث

النساء يمتلكن قدرة أعلى على تذكر الوجوه وتفاصيل الأحداث

أوضح البروفيسور، دميتري يديليف، أن النساء يمتلكن قدرة أعلى على تذكّر الوجوه وتفاصيل الأحداث، ويرجع ذلك إلى عوامل عدة، أبرزها طريقة حركة العين
10
ما تأثير تدخل الآباء لإنقاذ أطفالهم من المواقف التي تثير توترهم؟

ما تأثير تدخل الآباء لإنقاذ أطفالهم من المواقف التي تثير توترهم؟

أكد تقرير نشرته صحيفة هاف بوست، أنه يميل كثير من الآباء إلى التدخل سريعاً لإنقاذ أطفالهم من المواقف التي تثير توترهم
16
الدولار قد يصل إلى 15 ألف ليرة.. خبير اقتصادي: سياسات النقد تعيد سعر الصرف لنقطة الصفر

الدولار قد يصل إلى 15 ألف ليرة.. خبير اقتصادي: سياسات النقد تعيد سعر الصرف لنقطة الصفر

قال المستشار الاقتصادي ورئيس مجلس النهضة السوري، عامر ديب، لموقع Syria one إن قراءة واقع سعر الصرف اليوم تتطلب العودة إلى مسار تحركه منذ سقوط النظام وحتى الآن، حيث شهدت الليرة السورية تراجعاً متسارعاً خلال عام ونصف، إذ انتقل الدولار من مستويات 8300 – 8400 ليرة إلى 9500 ثم 9800 وصولاً إلى 10500 ليرة، قبل أن يسجل مؤخراً ارتفاعاً تجاوز 13%.
258
مع ارتفاع حجم التجارة بين البلدين.. مسؤول تركي: تجارة الترانزيت عبر سوريا إلى أنحاء المنطقة أصبحت ممكنة

مع ارتفاع حجم التجارة بين البلدين.. مسؤول تركي: تجارة الترانزيت عبر سوريا إلى أنحاء المنطقة أصبحت ممكنة

كشف وزير التجارة التركي عمر بولات، أن تجارة الترانزيت أصبحت ممكنة الآن من خلال سوريا إلى جميع أنحاء الشرق الأوسط ودول الخليج، لافتاً إلى ارتفاع حجم التجارة بين البلدين.
54
جيسيكا.. تريند يجتاح "تيك توك" فما هي القصة؟

جيسيكا.. تريند يجتاح "تيك توك" فما هي القصة؟

طغى تريند جديد على منصة "تيك توك" يركز على شخصية وهمية تُدعى جيسيكا، حيث بدأ الآباء في تهدئة  نوبات غضب أطفالهم
60
سيرياون إعلان 7