في منشور على صفحتها على فيس بوك، أوضحت الخبيرة ودكتورة الاقتصاد رشا سيروب أن بيانات الأداء المالي للنصف الأول من عام 2026 تكشف عن اختلالات هيكلية واضحة في أولويات الإنفاق والتحصيل الضريبي في سوريا، معتبرة أن هذه المؤشرات تعكس غياباً واضحاً للبعد الاجتماعي في السياسة المالية، مقابل توجيه مبالغ كبيرة إلى بنود إنفاق محدودة الجدوى اجتماعياً.
وأشارت سيروب في منشورها إلى أن الإنفاق الفعلي على الدعم والضمان الاجتماعي لم يتجاوز 315 مليون دولار، أي ما يعادل 12.76% فقط من أصل 2.468 مليار دولار مقدرة لهذا البند في الموازنة، في وقت بلغ فيه الإنفاق على النفقات الإدارية نحو 1.025 مليار دولار، بنسبة تنفيذ وصلت إلى 64.79%، أي أكثر من ثلاثة أضعاف ما أُنفق على الدعم الاجتماعي.
ولفتت إلى أن النفقات الإدارية، التي تشمل نفقات مرتبطة بسيارات المسؤولين والضيافة والمؤتمرات والقرطاسية وغيرها، تجاوزت المخصصات المقدرة للأشهر الستة الأولى بأكثر من 130%، لتكون البند الوحيد الذي سجل هذا المستوى من التجاوز، متسائلة عن أولوية هذه النفقات مقارنة بالإنفاق على الفقراء والشرائح الاجتماعية الأكثر هشاشة.
وعلى صعيد الإيرادات، رأت سيروب أن الأرقام تثير تساؤلات حول العدالة الضريبية، إذ لم تتجاوز الإيرادات الفعلية من الضرائب والرسوم غير الجمركية 252 مليون دولار، بما يعادل 10.26% فقط من المقدر، في حين تعد الضرائب على الدخل إحدى الأدوات الأساسية لإعادة توزيع الدخل وتقليص الفجوات الاجتماعية.
في المقابل، قالت سيروب إن إيرادات الرسوم الجمركية بلغت نحو 1.079 مليار دولار، بنسبة تنفيذ وصلت إلى 55.50% من المقدر، معتبرة أن اعتماد الإيرادات بصورة كبيرة على الرسوم الجمركية، في ظل تركز جانب مهم من المستوردات في السلع الاستهلاكية، يؤدي عملياً إلى تحميل المستهلك والمواطن العادي جزءاً كبيراً من العبء المالي.
كما سجلت عوائد استثمارات الدولة وبدلات الخدمات نحو 40.54% من المقدر، وهو بند قالت سيروب إنه، في ظل التوقف شبه التام للقطاع العام الاقتصادي، يتركز بصورة أساسية في الرسوم المدرسية والجامعية والخدمات الصحية، ما يضيف أعباء جديدة على القدرة المعيشية للأسر.
واعتبرت سيروب أن مجمل هذه المؤشرات يعكس غياب البعد الاجتماعي عن السياسات المالية الحالية، ويستدعي إعادة ترتيب الأولويات بما يضع الاحتياجات الأساسية للمواطنين، إلى جانب العدالة الاجتماعية والضريبية، في صدارة عملية صنع القرار الاقتصادي.
وحذرت في الوقت نفسه من مؤشرات على عودة الاقتصاد السوري باتجاه نموذج الاقتصاد الريعي، نتيجة الاعتماد المتزايد على العوائد النفطية خلال المرحلة المقبلة، بالتزامن مع تراجع الاهتمام بالاستثمار العام، في وقت لم يتمكن فيه القطاع الخاص حتى الآن من سد الفجوة الناتجة عن انسحاب الدولة من جزء من دورها الاقتصادي.
وأشارت سيروب كذلك إلى أن بيانات الأداء المالي لا تتضمن بيانات الصندوق السيادي وصندوق التنمية السوري، معتبرة أن إدراج بيانات هذين الصندوقين ضروري لتقديم صورة أكثر اكتمالاً ووضوحاً عن واقع المالية العامة للدولة.
وخلصت إلى أن معالجة الاختلالات الحالية لا تقتصر على زيادة حجم الإنفاق، بل تتطلب إعادة النظر في تركيبته ومصادر الإيرادات العامة، بما يحقق توازناً أكبر بين متطلبات المالية العامة وضرورة حماية الفئات الاجتماعية الأكثر هشاشة وتحقيق قدر أكبر من العدالة في توزيع الأعباء الاقتصادية.






