سياسي

ليست "ويكيليكس" ولا "سولار ويندز".. هل تواجه دمشق أخطر تسريب معلوماتي في تاريخها الحديث؟

13
ليست "ويكيليكس" ولا "سولار ويندز".. هل تواجه دمشق أخطر تسريب معلوماتي في تاريخها الحديث؟

ارتبطت بعض الحوادث بأسماء تحولت إلى علامات فارقة في تاريخ الاختراقات والتسريبات الكبرى ففي عام 2010 هزّت تسريبات "ويكيليكس" العالم بعدما كشفت أكثر من 250 ألف برقية دبلوماسية أمريكية سرية، وبعد عقد من الزمن، جاء اختراق "سولار ويندز" عام 2020 ليُصنف كأكبر عملية تجسس سيبراني استهدفت مؤسسات حكومية أمريكية حساسة عبر تحديثات برمجية ملوثة.


لكن ما يتم تداوله اليوم بشأن تسريب وثائق وزارة الخارجية السورية يطرح سؤالاً مختلفاً هل نحن أمام حادثة قد تتجاوز في تأثيرها الداخلي ما أحدثته تلك التسريبات العالمية، ليس بسبب حجم البيانات فقط، بل بسبب طبيعة المعلومات المسربة وحساسيتها؟


بحسب المعلومات المتداولة في أوساط متخصصة بالأمن السيبراني، فإن الأرشيف المسرب يضم نحو 19 غيغابايت من البيانات، تشمل آلاف الوثائق الممسوحة ضوئياً وملفات إدارية متنوعة تحتوي على مراسلات دبلوماسية داخلية وخارجية، وكشوف رواتب، وسجلات مالية، ووثائق هجرة وتأشيرات، إضافة إلى بيانات شخصية لمواطنين سوريين ومغتربين، فضلاً عن ملفات تقنية وشهادات أمان رقمية مرتبطة بنطاقات حكومية.


اللافت أن الجهة التي عرضت الوثائق للبيع أو لوّحت بنشر أجزاء منها زعمت أنها لم تحصل على البيانات عبر اختراق سيبراني تقليدي، وإنما عبر "وصول فيزيائي" إلى مصدر المعلومات.


هذا الادعاء يفتح الباب أمام سلسلة من الفرضيات الخطيرة، تبدأ من احتمالات بيع البيانات من داخل المؤسسة نفسها، ولا تنتهي عند فرضية سرقة أجهزة حاسوب أو وسائط تخزين تعود لمسؤولين أو موظفين رفيعي المستوى.


هنا يحق طرح مجموعة من الأسئلة التي قد تحدد مسار القضية بأكملها، أولها لماذا يتم تسريب هذه الوثائق الآن؟ فالتوقيت في مثل هذه القضايا لا يكون عشوائياً غالباً، لأن التسريبات الكبرى عادة ما ترتبط برسائل سياسية أو ضغوط أو محاولات تأثير على الرأي العام أو على مراكز القرار، وبالتالي فإن تحديد التوقيت قد يكون مفتاحاً لفهم الدوافع الحقيقية وراء العملية.


ثانياً من المستفيد؟ إذا ثبتت صحة الوثائق، فإن المستفيدين المحتملين قد يكونون أطرافاً متعددة، من جهات تسعى إلى إحراج الحكومة وكشف حجم الإنفاق الإداري والدبلوماسي، إلى أطراف خارجية مهتمة بالحصول على معلومات عن البعثات الدبلوماسية أو المواطنين السوريين المقيمين في الخارج، كما لا يمكن استبعاد الدافع المالي البحت إذا كان الهدف الأساسي هو بيع البيانات في أسواق المعلومات السرية.


السؤال الثالث يدور حول حجم الخطر الحقيقي، فالجانب الأكثر حساسية لا يتعلق بالرواتب أو النفقات التشغيلية، مهما كانت صادمة للرأي العام، بل بوجود بيانات شخصية لمواطنين ومغتربين، فهذه المعلومات قد تُستخدم في عمليات احتيال أو ابتزاز أو انتحال هوية أو استهداف أفراد وشخصيات بعينها، كما أن أي تسرب لشهادات رقمية أو ملفات تقنية قد يثير مخاوف إضافية تتعلق بالبنية الرقمية الحكومية.


أما رابعاً فهل نحن أمام تسريب فردي أم اختراق مؤسسي؟ الإجابة عن هذا السؤال ستكون حاسمة، فإذا كانت البيانات قد خرجت من خلال شخص يمتلك صلاحيات وصول مباشرة، فإن القضية تتحول إلى ملف أمني وإداري داخلي، أما إذا تبين لاحقاً وجود اختراق أوسع للأنظمة، فإن التداعيات ستكون أكبر بكثير وقد تمتد إلى مؤسسات أخرى مرتبطة بالبنية الحكومية.


في مواجهة هذه التطورات، أصدرت وزارة الخارجية والمغتربين السورية بياناً أكدت فيه أنها باشرت منذ اللحظات الأولى اتخاذ الإجراءات اللازمة للتحقق والتدقيق بشأن ما تم تداوله من وثائق ومراسلات منسوبة إليها.


وأوضحت الوزارة أنها بدأت التنسيق مع الإدارات التقنية المختصة والجهات الأمنية لإجراء تحقيق شامل يهدف إلى تحديد مصدر التسريب وآليته ونطاقه، واتخاذ الإجراءات القانونية والقضائية المناسبة بحق أي جهة أو شخص يثبت تورطه.


كما شددت الوزارة على أن أعمالها وخدماتها القنصلية والدبلوماسية مستمرة بصورة طبيعية، مؤكدة اتخاذ التدابير اللازمة لحماية أمن المعلومات وصون الوثائق الرسمية والحفاظ على مصالح الدولة.


لكن التحقيقات المقبلة ستكون مطالبة بالإجابة عن أسئلة تتجاوز تحديد مصدر التسريب، لتكون كالتالي، هل البيانات أصلية بالكامل؟ وهل تم التلاعب ببعض محتوياتها؟ وهل وصلت نسخ منها إلى جهات أجنبية أو شبكات بيع البيانات؟ وهل هناك مخاطر مستمرة على بيانات المواطنين والمؤسسات الحكومية؟


حتى الآن لا تزال معظم الإجابات معلقة بانتظار نتائج التحقيق الرسمي، غير أن المؤكد هو أن القضية تجاوزت حدود حادثة تقنية عابرة، وتحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة المؤسسات على حماية بياناتها الحساسة وإدارة الأزمات المعلوماتية في عصر أصبحت فيه المعلومة أخطر من أي وقت مضى.


وفي حال ثبتت صحة حجم ونوعية الوثائق المتداولة، فإن سوريا قد تكون أمام واحدة من أكبر قضايا تسريب المعلومات الحكومية في تاريخها الحديث، قضية لن تقاس آثارها بعدد الملفات المسربة فحسب، بل بما قد تكشفه من ثغرات أمنية وإدارية، وبما قد تتركه من تداعيات على الثقة العامة وأمن البيانات ومستقبل الحوكمة الرقمية في البلاد.


مقالات ذات صلة

هيغسيث: ليس من الحكمة أن تتحدى إيران أمريكا أكثر من ذلك

هيغسيث: ليس من الحكمة أن تتحدى إيران أمريكا أكثر من ذلك

قال ​وزير الدفاع الأمريكي بيت ‌هيغسيث اليوم الأربعاء إنه ليس من الحكمة أن تتحدى ​إيران الولايات المتحدة ​أكثر من ذلك، وذلك بعد ⁠أن نفذت واشنطن ​ضربات جوية ليلا ردا على ​إسقاط طائرة هليكوبتر أباتشي أمريكية
23
من بينهم ميسي.. تسريب تفاصيل جوازات سفر جميع لاعبي المنتخب الأرجنتيني

من بينهم ميسي.. تسريب تفاصيل جوازات سفر جميع لاعبي المنتخب الأرجنتيني

ذكرت تقارير إعلامية أن هفوة أمنية تسببت في تسريب ​تفاصيل جوازات سفر جميع لاعبي المنتخب ‌الأرجنتيني قبل المباراة الودية الاستعدادية لكأس العالم أمام أيسلندا، بما في ذلك ​ليونيل ميسي
150
ترامب: إيران استغرقت وقتا طويلا في التفاوض وسيتعين عليها دفع الثمن

ترامب: إيران استغرقت وقتا طويلا في التفاوض وسيتعين عليها دفع الثمن

قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اليوم الأربعاء إن إيران استغرقت وقتا طويلا ​للغاية في التفاوض للتوصل إلى اتفاق، وسيتعين عليها "دفع الثمن"
35
بقائي: الجهود الدبلوماسية مع واشنطن ​لا يمكن أن ​تتقدم مع خرق وقف إطلاق النار

بقائي: الجهود الدبلوماسية مع واشنطن ​لا يمكن أن ​تتقدم مع خرق وقف إطلاق النار

قال المتحدث باسم وزارة ​الخارجية الإيرانية إسماعيل ‌بقائي اليوم الأربعاء إن الجهود الدبلوماسية مع الولايات المتحدة ​لا يمكن أن ​تتقدم في ظل الانتهاكات المتكررة ⁠لوقف إطلاق النار
38
سنتكوم تعلن انتهاء عملياتها ضد إيران.. والقوات الإيرانية تستهدف قواعد أمريكية بالمنطقة

سنتكوم تعلن انتهاء عملياتها ضد إيران.. والقوات الإيرانية تستهدف قواعد أمريكية بالمنطقة

أعلنت القيادة المركزية للولايات المتحدة سنتكوم فجر الأربعاء، الانتهاء من تنفيذ سلسلة ضربات ضد إيران، بالتوازي مع استهداف إيران لقواعد عسكرية أمريكية في المنطقة
115
سيرياون إعلان 7