ربما لا يعكس عدد خريجي كليات الطب الصورة الكاملة لواقع القطاع الصحي في سوريا، فبينما تدخل دفعات جديدة من الأطباء إلى سوق العمل كل عام، لا تزال بعض الاختصاصات الطبية تعاني نقصاً، بينما تواجه محافظات عدة صعوبة في استقطاب الكوادر الطبية، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول طبيعة الخلل داخل المنظومة الصحية، وما إذا كان يرتبط بعدد الأطباء أم بآليات توزيعهم وتأهيلهم.
وفي حديثه لـ Syria One، أوضح نقيب أطباء سوريا الدكتور مالك العطوي أن المشكلة لا تتمثل في العدد الإجمالي للأطباء بقدر ما ترتبط بسوء توزيعهم بين المحافظات والأرياف والاختصاصات، مشيراً إلى وجود اكتظاظ في بعض الاختصاصات داخل دمشق، مقابل نقص واضح في محافظات أخرى وخاصة في شرقي سوريا، إضافة إلى عجز في اختصاصات مثل التخدير والطب النفسي والطب الشرعي، وبعض الاختصاصات الدقيقة كجراحة قلب الأطفال، في حين تشهد اختصاصات عامة فائضاً نسبياً.
كما يشير العطوي إلى عدم وجود إحصاءات دقيقة حول أعداد الأطباء الاختصاصيين الممارسين حالياً، لكن المؤشرات المتوافرة لدى النقابة تظهر زيادة طفيفة في أعدادهم مقارنة بالسنوات الماضية، لافتاً إلى أنه بالمقابل، يواجه القطاع الصحي فجوة بين أعداد خريجي كليات الطب وبرامج الاختصاص، وبين قدرة المشافي على استيعابهم وتدريبهم وتأمين فرص عمل مناسبة لهم، وهو ما يدفع عدداً منهم إلى البحث عن فرص خارج البلاد، وهذا ما يعدّ أحد الاسباب الرئيسية لقلّة عدد الاطباء الاختصاصيين في سوريا.
تحديات تتجاوز أعداد الأطباء
يأتي هذا الواقع في وقت ما تزال فيه المنظومة الصحية السورية تواجه آثار سنوات الحرب، إذ تشير منظمة أطباء بلا حدود إلى أن القطاع الصحي تعرض لأضرار واسعة شملت تدمير منشآت صحية، إلى جانب نقص في الكوادر الطبية خلال سنوات النزاع، إضافة إلى تراجع التمويل، وهو ما انعكس على قدرة كثير من المناطق في الوصول إلى الخدمات الصحية الأساسية، ولا سيما في المناطق التي شهدت موجات نزوح متكررة.
كما أوضحت المنظمة في تقريرها السنوي لعام 2024، أنها وسعت عملياتها بعد وصولها إلى دمشق للمرة الأولى منذ أكثر من عقد، مؤكدة أن الاحتياجات الصحية لا تزال مرتفعة في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية، ونقص التمويل، ووجود ملايين السوريين الذين يحتاجون إلى خدمات الرعاية الصحية والمساعدات الإنسانية، وبالمقابل لا تعني هجرة الأطباء دائماً اندماجهم السريع في أنظمة الرعاية الصحية خارج البلاد، إذ عرضت هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) تجربة جراح سوري اضطر إلى تعليق مسيرته المهنية في المملكة المتحدة بعد تعثره في استكمال متطلبات اللغة اللازمة لمعادلة شهادته، في مثال يعكس أن انتقال الكفاءات الطبية إلى الخارج لا يعني بالضرورة استمرارها الفوري في ممارسة المهنة.
بين استبقاء الكفاءات واحتياجات القطاع
ويرى النقيب العطوي أن تحسين واقع القطاع الصحي يتطلب التركيز على دعم المشافي العامة، ورفع مستوى التدريب، ودراسة احتياجات سوق العمل بصورة أدق، إلى جانب توفير بيئة مهنية واقتصادية أكثر استقراراً تشجع الأطباء على الاستمرار في العمل داخل سوريا، مع اتخاذ إجراءات تسهّل عودة الكفاءات الطبية السورية الموجودة في الخارج.
وبين زيادة أعداد الخريجين واستمرار النقص في بعض الاختصاصات، تبدو قضية الكوادر الطبية في سوريا أكثر تعقيداً من اختزالها في سؤال حول وجود نقص أو فائض، إذ يرتبط مستقبل القطاع الصحي بقدرته على تحقيق توازن بين توزيع الاختصاصات، وتحسين بيئة العمل، والاستفادة من الطاقات الطبية بما ينعكس على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.






