اقتصاد

هل تعيد مشاريع البنك الدولي الثقة بالقطاع المالي السوري؟

878
البنك الدولي القطاع المالي السوري

غنوة المنجد

كشف حاكم مصرف سوريا المركزي الدكتور عبد القادر الحصرية عن عمل المصرف على ثلاثة مشاريع رئيسية بالتعاون مع البنك الدولي، بهدف دعم تعافي الاقتصاد السوري وإعادة بناء الثقة بالقطاع المالي، وتشمل هذه المشاريع: إعادة هيكلة القطاع المصرفي، تحديث أنظمة الدفع، وتعزيز قدرات التدقيق ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.


وفي هذا السياق، أجرى موقع Syria One حواراً اقتصادياً مع الخبير الاقتصادي الدكتور مجدي الجاموس، الذي قدّم قراءة نقدية شاملة حول جاهزية القطاع المصرفي السوري، والعقبات التي تواجه تنفيذ هذه المشاريع، ومدى قدرتها على استعادة الثقة المحلية والدولية.

جاهزية القطاع المصرفي لإعادة الهيكلة: ثقة شبه معدومة وإرث قانوني معطّل

يرى الدكتور مجدي الجاموس أن تقييم جاهزية القطاع المصرفي السوري للاستفادة من مشروع إعادة الهيكلة لا يبدو مبشراً، معتبراً أن القطاع يعيش حالة "يرثى لها" وأن الثقة به "شبه معدومة".


ويقول الجاموس إن أي اقتصاد قوي يحتاج إلى قطاع مالي قوي، لكن في سوريا "التعافي الاقتصادي متعطل، وعلى رأس هذا التعطل القطاع المالي"، مشيراً إلى أن إدارة هذا القطاع خلال السنوات الماضية اتسمت بضعف كبير في المهارة، وأن الأخطاء الفادحة أدت إلى انهياره، رغم محاولات تفسير تلك السياسات على أنها تكتيكات مؤقتة.


ويضيف أن الإرث القانوني للنظام السابق ما يزال يلعب دوراً سلبياً في إسقاط المنظومة الاقتصادية، إذ ما تزال القوانين والمراسيم القديمة تُستخدم بحجة عدم القدرة على تعديلها وفق المادة 51 من الإعلان الدستوري.


ومن أبرز آثار هذا الإرث: "حبس السيولة، انعدام الشفافية، عدم قدرة البنك المركزي على بناء شراكات مع بنوك خارجية، عدم جذب بنوك عربية أو عالمية لفتح فروع، ضعف التسهيلات الائتمانية لشركات الحوالات، غياب الاتزان المالي، اختزال السياسات الاقتصادية في هدف واحد هو استقرار سعر الصرف"، وفقاً للجاموس.


ويؤكد أن "الأضرار الناتجة عن السياسات المتبعة للمحافظة على سعر الصرف أكبر بكثير من تذبذب سعر الصرف نفسه".


ورغم رفع عقوبات قيصر وعودة سوريا إلى المنظومة المالية الدولية، إلا أن الإدارة الحالية – بحسب رأيه – لم تنجح في توليد الثقة مع المجتمع الدولي أو البنوك المراسلة، ويشبّه الوضع بوضوح: "ما يحدث هو عمليات جراحية بسيطة لمريض يعاني من جلطات دماغية".

التحول نحو الدفع الرقمي: بنية تحتية منهارة وثقافة غير جاهزة

حول مشروع تحديث أنظمة الدفع، يؤكد الجاموس لموقع Syria One أن التحول نحو الدفع الرقمي ضرورة، لكنه يشدد على أن البنية التحتية شبه منهارة، وأن ثقافة الرقمنة ما تزال ضعيفة لدى المجتمع.


ويشير إلى أن نجاح هذا التحول يتطلب: تطوير البنية التحتية للإنترنت، إدخال شركات قادرة على تحسين هذه البنية، بناء شراكات دولية، توفير أجهزة الدفع الإلكتروني في كل متجر ومحطة وقود، رفع مستوى دخل الفرد ليكون قادراً على تقبّل التغيير.


كما يطرح تساؤلات حول مرجعية بعض أنظمة الدفع الحالية، مثل "شام كاش"، قائلاً: "لا نعرف من هي مرجعية شام كاش.. من هو البنك الذي بنيت عليه هذه المنظومة؟"


ويؤكد أن الثقة هي الأساس في أي عملية دفع إلكتروني، وأن غيابها يجعل الرقمنة تبدو "رفاهية صعبة التقبل" بالنسبة لشريحة واسعة من المواطنين ذوي الدخل المحدود.


تعزيز قدرات التدقيق ومكافحة غسل الأموال: بيئة قانونية غير صالحة

يرى الجاموس أن رفع العقوبات لا يعني تلقائياً القدرة على الاندماج مع النظام المالي العالمي، لأن المشكلة الأساسية تكمن في سوء الإدارة وعدم القدرة على توليد الثقة داخلياً وخارجياً.


ويشير إلى أن البيئة القانونية الحالية – الموروثة من النظام السابق – لا تسمح ببناء منظومة فعّالة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.


ويؤكد أن الخطوة الأولى يجب أن تكون إصلاح تشريعي شامل، وبناء بيئة قانونية جديدة، ومحاربة الفساد، وتشكيل لجان تدقيق نزيهة داخل مصرف سوريا المركزي، وتفعيل وحدات الاستخبارات المالية.


ويضيف أن إهمال علم الإدارة يشكل عائقاً كبيراً، وأن اللجان الإدارية يجب أن تكون قادرة على نقل القطاع المالي إلى مستوى يتوافق مع المعايير الدولية.

استعادة ثقة المستثمرين: الطريق طويل

وبحسب الجاموس فإن نجاح المشاريع الثلاثة – التدقيق المالي، مكافحة الفساد، التحول للدفع الإلكتروني، وتحسين القطاع المصرفي – يمكن أن يساهم في استعادة ثقة المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية، مشدداً على أن ذلك يتطلب تحديث القوانين وبناء بيئة تشريعية جديدة وسياسات نقدية احترافية وتلبية تطلعات الناس بعد التحرير.


ويؤكد أن إعادة الثقة بالقطاع المالي تحتاج وقتاً طويلاً، خاصة بعد تغيير العملة في سوريا، معتبراً أن القطاع المالي "حساس جداً" وأن أي إصلاح يحتاج إلى خطوات مدروسة.

هل تتوافق أولويات البنك الدولي مع احتياجات الاقتصاد السوري؟

يعتقد الجاموس أن مشاريع البنك الدولي مهمة، لكنها ليست بالضرورة الأولويات الأكثر إلحاحاً، فمثلاً يرى أن تغيير العملة كان يمكن تأجيله إلى ما بعد إعادة الثقة بالقطاع المصرفي، وإعادة الروح للبنوك ومنحها دورها الحقيقي في الإقراض وتحقيق الأرباح.


ويضيف أن هناك مبالغ طائلة مخزنة لدى المواطنين خارج البنوك، وأن الثقة لو كانت موجودة لتم إيداعها، مما كان سيتيح للبنوك تقديم القروض وبناء دورة مالية صحية، لذلك برأيه فإن الأولوية كان يجب أن تكون توليد الثقة داخلياً، ثم الانتقال لبناء شراكات خارجية، وتسهيل منح التراخيص لشركات الصرافة والحوالات والبنوك العربية والعالمية لفتح فروع في سوريا.


ويختم بأن هذه الخطوات يجب أن تكون على رأس أولويات البنك المركزي قبل الدخول في مشاريع إدارية يمكن تنفيذها في أي وقت.



مقالات ذات صلة

شركة إيرباص الأوروبية تعلن عن انخفاض حاد في أرباحها الأساسية ​للربع الأول

شركة إيرباص الأوروبية تعلن عن انخفاض حاد في أرباحها الأساسية ​للربع الأول

أعلنت شركة إيرباص الأوروبية اليوم الثلاثاء عن انخفاض حاد في أرباحها الأساسية ​للربع الأول
22
البنزين في ​الولايات المتحدة يسجل أعلى مستوياته منذ ​أغسطس/آب 2022

البنزين في ​الولايات المتحدة يسجل أعلى مستوياته منذ ​أغسطس/آب 2022

أشارت بيانات ​رابطة السيارات الأمريكية ‌إلى أن متوسط سعر ​البنزين في ​الولايات المتحدة ارتفع اليوم ⁠الثلاثاء إلى ​ما يقارب 4.18 ​دولار للغالون، مسجلا أعلى مستوياته منذ ​أغسطس/ آب ​2022
23
خروج الإمارات من "أوبك" و"أوبك+"..  نقطة تحوّل لافتة في مسار السياسة النفطية للدولة

خروج الإمارات من "أوبك" و"أوبك+".. نقطة تحوّل لافتة في مسار السياسة النفطية للدولة

يمثل قرار الإمارات العربية المتحدة الخروج من منظمة "أوبك" وتحالف "أوبك+"، اعتبارا من الأول من مايو/ أيار 2026، نقطة تحوّل لافتة في مسار السياسة النفطية للدولة
35
الإمارات تعلن الخروج من "أوبك" و "أوبك+"

الإمارات تعلن الخروج من "أوبك" و "أوبك+"

أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة، اليوم الثلاثاء، قرارها بالخروج من منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك" و "أوبك+" على أن يسري القرار اعتباراً من الأول من مايو / أيار المقبل
50
الخدمات الأرضية السعودية تفوز بعقد من مطارات الرياض بـ315 مليون ريال

الخدمات الأرضية السعودية تفوز بعقد من مطارات الرياض بـ315 مليون ريال

أعلنت الشركة السعودية للخدمات الأرضية، ترسية عقد مع شركة مطارات الرياض، لتشغيل وصيانة جسور إركاب المسافرين والخدمات المرتبطة بها في مطار الملك خالد الدولي، بقيمة إجمالية تبلغ 314.9 مليون ريال
61
سيرياون إعلان 7