بين الحاجة المتزايدة لبدائل زراعية مستدامة وتراجع خصوبة التربة بفعل الاستخدام المفرط للأسمدة الكيميائية، خرجت من قرية الصويري بريف حمص الغربي، تجربة مختلفة تماماً عن السائد، تجربة امرأة قررت أن تجعل من النفايات الطبيعية ثروة، وأن تحوّل الدودة الحمراء إلى مشروع أسري قادر على تغيير ثقافة التسميد في سوريا. محاسن إبراهيم أم لثلاثة أطفال، لم تبحث عن عمل تقليدي، بل صنعت عملاً جديداً يقوم على تحويل المخلفات القابلة للتحلل إلى سماد عضوي يصنّف الأول عالمياً، وتقدمه اليوم كصيغة بسيطة يمكن تنفيذها في الحدائق والبلكونات والأسطح والمزارع، وحتى كزاوية صغيرة في الأراضي الزراعية.
إعادة تشكيل مفهوم التسميد
توضح محاسن لـ Syria One أن مشروعها يقوم على تربية دودة Eisenia Fetida بنوعيها "الريد ويجلر" و"التايغر ورم"، ضمن أحواض تُضبط فيها الحرارة بين 15 و25 درجة والرطوبة بين 50 و85 بالمئة، بينما تعتمد الديدان في غذائها على أوراق الشجر وبقايا الخضار والفواكه وعيدان المحاصيل وروث الحيوانات بعد تخميره بالماء للتخلص من الغازات والمكروبات الضارة.
وتوضح أن الدود يهضم هذه المخلفات ويحوّلها إلى حبيبات غنية بالعناصر المغذية ومجموعات بكتيرية نافعة تعيد للتربة خصوبتها، مؤكدة أن العملية لا تحتاج سوى مساحات بسيطة ويمكن تنفيذها في الحدائق والبلكونات والأسطح وحتى المزارع الكبيرة.
دورة إنتاج كاملة
تشير محاسن إلى أن عملية الإنتاج تعتمد على "الهجرة"، حيث تنتقل الديدان من طبقة لأخرى ليُجمع السماد النهائي بعد التجفيف والغربلة، مشيرة إلى أن المشروع يمكن أن يُدار وفق أكثر من منهجية، لكن الصيغة التي تجمع بين التكاثر والإنتاج معاً هي الأكثر ربحاً، إذ تتيح حصاداً كل ستة أشهر بكمية تصل إلى طن ونصف من السماد في كل دورة، مع تضاعف كتلة الدود ثلاث مرات في الحد الأدنى، موضحة أن كل متر من الأحواض يحتاج إلى كيلو واحد من الدود فقط، ما يجعل المشروع منخفض التكلفة وقابلاً للتطبيق في مختلف البيئات.
من مبادرة منزلية إلى آلاف المشاريع الأسرية
تقول محاسن إنها تابعت آلاف المربين خطوة بخطوة، من زراعة الدود حتى حصاد السماد، وإن الجميع يعمل اليوم وينتج بنجاح.
وتوضح لـ Syria One أنها نشرت ثقافة المشروع في مختلف المحافظات عبر مئات الدورات التثقيفية، قبل أن تدخل الجامعات والمعاهد الزراعية كخبيرة تقدم الشروح التقنية للطلبة، الأمر الذي ساهم في انتشار المشروع على نطاق واسع وولادة مئات المشاريع الأسرية الجديدة التي تعتبرها امتداداً لتجربتها.
تحديات اجتماعية ومهنية
تتحدث محاسن عن التحديات التي واجهتها، بدءاً من نظرة المجتمع إلى هذا النوع من العمل، مروراً بصعوبة إقناع المزارعين بمنتج جديد، وصولاً إلى العقبات التي واجهتها كامرأة تعمل في مجال غير مألوف، لكنها تقول إنها تجاوزت كل ذلك بالصبر والإصرار، مؤكدة أن المشروع اليوم يحوّل مئات الأطنان من النفايات سنوياً، ويساهم في تنظيف البيئة ودعم التربة وتشجيع الناس على التسميد العضوي المستدام.
العائد الاقتصادي
تشير محاسن إلى أن العائد الاقتصادي يختلف بحسب كمية النفايات وكتلة الديدان في كل منطقة، لكنه يبقى مشروعاً منخفض التكلفة وعالي الربح، خصوصاً حين يُدار وفق منهجية التكاثر والإنتاج معاً، حيث تبين أن الطلب على السماد العضوي يتزايد مع توسع الزراعة النظيفة، وأن المنتج الذي تقدمه بات مطلوباً في مساحات واسعة من الأراضي الزراعية.
رؤية مستقبلية
تطمح محاسن إلى تطوير مشروعها ليصل إلى مرحلة تحويل كل نفايات المناطق إلى سماد دود، وتقول إنها تحتاج دعماً حقيقياً لنشر المبادرة على نطاق أوسع، وهي جاهزة لتقديم خبرتها لكل الجهات المهتمة، سواء كانت حكومية أو خاصة، مؤكدة أن سوريا بلد زراعي وأن للتربة حقاً على الجميع، وأن الزراعة النظيفة لم تعد خياراً بل ضرورة.








