في مشهد إحصائي يخيم عليه التباين بين أرقام رسمية تبدأ من نحو 14% وتقديرات واقعية تلامس 52%، تقف الأسرة السورية وحدها في مواجهة تكاليف معيشية قاسية.
وفي حوار خاص لـ Syria One، لمواكبة تفاصيل إطلاق المسح الوطني للقوى العاملة الذي يشمل نحو 37800 أسرة بدعم من منظمة العمل الدولية والاتحاد الأوروبي والمقرر إعلان نتائجه أواخر كانون الثاني أو مطلع شباط 2027، تؤكد الباحثة في علم الاجتماع أسمهان زهيرة أن هذا التفاوت مردّه عيوب بنيوية في المنهجيات المتبعة، لاسيما اعتماد "التعريف الدولي" الذي يتجاهل من توقفوا عن البحث عن عمل والعاملين بأجور متدنية أو لساعات محدودة، فضلاً عن تورط العمالة الهشة في اقتصاد الظل بلا أي أمان وظيفي أو قانوني.
طاقات معطلة
توضح الباحثة أسمهان زهيرة لـ Syria One أن قمة المأساة تتجسد حين تتجاوز بطالة الشباب نسبة 50% في تقديرات واقعية متعددة وتبلغ نحو 33% وفق منظمة العمل الدولية، وصولاً إلى رقم صادم يصل إلى 74% بين الشابات، وتبين زهيرة أن هذا الشلل الجماعي لا يقتصر أثره على الحرمان المادي، بل يتغلغل في عمق النسيج الأسري ليحيل الشاب إلى عالة دائمة داخل بيته، ويجرّد الشابات من استقلاليتهن ليمسين عرضة لأنماط استغلال قاسية داخل البنية التقليدية، وتشير زهيرة إلى أنه أمام هذا الانسداد، يفقد الشباب قدرتهم على التخطيط لمستقبلهم أو الإقدام على خطوة الزواج، لتتحول الهجرة من خيار رفاهية إلى هروب إجباري من جحيم الفراغ.
الوظائف الرسمية المهشمة
تلفت زهيرة الانتباه إلى أنه في ظل سوق عمل رسمي لا تتعدى فيه الوظائف الرسمية 6 إلى 7% في بعض الفئات، تجد الطبقة الوسطى نفسها في مهب الريح، حيث ترى أن الأفراد يضطرون للركض خلف مهن عشوائية ومتعددة داخل "اقتصاد الظل" لتأمين الرمق اليومي، دافعين ثمناً باهظاً تمثل في تسرب الأطفال من مقاعد الدراسة، وتفكك الروابط الأسرية نتيجة ساعات العمل الطويلة وغياب أي غطاء قانوني يحمي كرامة العامل وصحته النفسية والجسدية.
مسح وطني يكسر حلقة الترقيع
تبين زهيرة لـ Syria One أن الحلول الترقيعية لم تعد مجدية أمام أزمة بهذه الكارثية، وهنا تبرز من منظورها الأهمية التنموية للمسح الوطني المرتقب الذي سينتج عنه توفير بيانات دقيقة تساعد في رسم سياسات التشغيل وصياغة حلول مستدامة، وتشرح أن طوق النجاة يكمن في بناء قاعدة بيانات ذكية تمنع هدر المساعدات، وتتيح توجيه البرامج الاستهدافية نحو الجيوب الأكثر فقراً، وتضيف زهيرة أن الأمر يتطلب أيضاً مطابقة المؤهلات الحقيقية للعاملين مع حاجة السوق الفعلية عبر مشاريع صغيرة منتجة تعيد الاعتبار للاستقلال المادي للأسرة.
مظلة إسعافية تسبق النتائج
تؤكد الباحثة زهيرة أنه بانتظار إعلان النتائج الأولية للمسح أواخر كانون الثاني أو مطلع شباط 2027، تبرز الحاجة الملحة لتفعيل خطوط إمداد إسعافية فورية تحمي الأسرة من الانهيار الكامل. موضحة لـ Syria One أن هذه التدخلات تشمل توفير شبكة دعم نقدي تقي الأسر من امتصاص دخلها المحدود في الورشات، وتثبيت توفير الأدوية المزمنة في المراكز الصحية، إلى جانب ضخ سلال غذائية مدعومة عبر القنوات الدولية لتخفيف وطأة العوز المتفاقم.






