تعتبر السنوات الأولى من التعليم المرحلة الأهم في بناء مهارات القراءة والكتابة عند الطفل، إلا أن شكاوى متزايدة من أولياء أمور ومعلمين تشير إلى انتقال بعض التلاميذ إلى الصفوف التالية دون امتلاك الحد الأدنى من المهارات الأساسية، مما يشير إلى تساؤلات حول أسباب هذه الظاهرة، ودور الأسرة والمناهج وطرق التدريس في تكوينها.
ترى المختصة النفسية والاجتماعية الدكتورة وفاء حيمور، في حديثها لـ Syria One، أن المشكلة لا يمكن اختزالها في سبب واحد، بل تتشكل نتيجة مجموعة من العوامل التربوية والأسرية التي تبدأ قبل دخول الطفل إلى المدرسة، مشيرة إلى أن هذه الحالة موجودة بالفعل، لكنها تختلف من طفل إلى آخر تبعاً للأسباب والظروف المحيطة بكل طفل.
رياض الأطفال... الحلقة التي لا يجب إغفالها
توضح حيمور أن من أبرز أسباب ضعف التأسيس عند الأطفال هي عدم مراعاة الفروق الفردية بينهم، إضافة إلى أن مرحلة رياض الأطفال ما تزال غير إلزامية، رغم أنها تمثل مرحلة أساسية في إعداد الطفل للانتقال إلى التعليم المدرسي.
وتشير إلى أن المنهاج السوري يتضمن فترة تمهيدية مدتها عشرة أيام فقط قبل البدء بالدروس، لكن كفترة تهيئة للطفل لا تعد كافية ولا تنسجم مع الخطة الزمنية للعام الدراسي وعدد الحصص، هذا ما يجعل كثيراً من الأطفال يدخلون الصف الأول دون استعداد كافٍ.
وتشير أيضاً إلى أن تصميم المناهج الحالية يحتاج بالضرورة إلى مراجعة أعمق، لأن بعض محتواه لا ينسجم مع قدرات الأطفال في هذه المرحلة العمرية، ما يفرض أعباء إضافية على المعلمين والإدارة المدرسية.
البداية من المنزل
تؤكد حيمور أن السنوات الست الأولى من عمر الطفل تمثل المرحلة الأكثر أهمية في بناء مهاراته اللغوية والمعرفية، معتبرة أن الأسرة تتحمل الدور الأكبر من المسؤولية في هذه المرحلة، وذلك عبر تنمية الحصيلة اللغوية للطفل وتشجيعه على الحوار والقراءة وتهيئته لاستقبال المعرفة.
كما تحذر من الإفراط في استخدام الأطفال للأجهزة الذكية، موضحة أن التعلق بها قد يؤدي إلى مشاكل متعددة منها: ضعف لغوي وتأخر في النطق والتواصل، نتيجة تأثيرها في المراحل المبكرة من نمو الطفل، الأمر الذي ينعكس لاحقاً على قدرته في استقبال المعلومات والتعلم داخل المدرسة.
وتضيف أن ضعف التأسيس ليس حكماً دائماً على الطفل، إذ يمكن تعويضه بالتدخل المبكر، لكن الأهم هو معرفة كيفية بناء المهارات الأساسية منذ البداية.
تدريب المعلمين وتشخيص المشكلات
تدعو المختصة حيمور إلى إطلاق برامج إلزامية لتأهيل المعلمين وتطوير مهاراتهم في جميع المدارس، مع التركيز على أساليب التعليم التفاعلي، وتمكينهم من توظيف التكنولوجيا في العملية التعليمية بوسائل بسيطة لا تتطلب بنية تحتية متقدمة.
كما تنتقد إحالة كثير من الأطفال الذين يواجهون صعوبات في تلقي المعلومات مباشرة إلى تصنيف "صعوبات تعلم"، معتبرة أن بعض الحالات قد يكون سببها الإهمال أو ضعف التأسيس، وليس وجود اضطراب تعليمي فعلي، ما يستدعي تشخيصاً أكثر دقة قبل اعتماد هذا الوصف وهذا غير موجود في المدارس كافة.
وتشير أيضاً إلى أن غياب الضمير المهني لدى بعض العاملين في القطاع التعليمي، وتحول المهنة لدى البعض إلى مصدر دخل فقط، ينعكس سلباً على جودة العملية التعليمية، رغم قبولهم مسبقاً بشروط العمل والمسؤوليات المترتبة عليها.
من أين يبدأ الإصلاح؟
تؤكد حيمور أن معالجة ضعف التأسيس تتطلب رؤية متكاملة لا تقتصر فقط على تطوير المناهج، وإنما تبدأ من الأسرة، وتمر بمرحلة رياض الأطفال، وتأهيل المعلمين، وتحسين البيئة المدرسية، بما يضمن بناء قاعدة تعليمية متينة للطفل منذ سنواته الأولى.
وتختتم بالتأكيد أن الاستثمار الحقيقي في التعليم يبدأ من البدايات، وأن تحسين مهارات القراءة والكتابة لا يعتمد على المدرسة وحدها، بل يحتاج إلى شراكة حقيقية بين الأسرة والمؤسسات التعليمية وصناع القرار، لضمان أن يمتلك الطفل الأدوات الأساسية للتعلم قبل انتقاله إلى المراحل الدراسية اللاحقة.






