لو أُجريت إحصائية دقيقة لعدد المواد الصحفية المكتوبة عن موضوع واحد في كل العالم، لاحتل الحديث عن سعر صرف الليرة السورية، صعودها المفاجئ، هبوطها الحاد، استقرارها قصير العمر، ثم عودة دورة جديدة من كل ما سبق، أحد المراكز الأولى، إن لم يكن الأول.
وما يبدو غريباً للمتابع البعيد وغير المختص، هو أن هذا الوضع ثابت على ما هو عليه منذ سنوات! رغم أن كل ما كُتب عنه - تقريباً – تحدث عن ذات الأسباب، وطرح ذات الحلول، أي نَزَعَ ذرائع المشكلة! لكن قسماً كبيراً من المهتمين بالموضوع من مختصين وغيرهم، يعلمون أن الحلقة المفقودة في الموضوع في كثير من الأحيان ليست نقص الحلول، ولا حتى صعوبات تطبيق بعضها التي لا ينكرها أحد، بل في غياب إرادة الحل، وهذه أيضاً مشكلة كبيرة لها أسبابها وشجونها.
ببساطة شديدة، سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار منذ سنوات، ليس رقماً اقتصادياً بقدر ما هو مرآة لحالة الاقتصاد والبلد.
تعددت الأسباب.. والكارثة واحدة
يُجمع عدد كبير من الاقتصاديين والخبراء على أن هنالك مجموعة من الأسباب لما يحدث لليرة، والقول الدائم بأن المضاربة هي السبب الرئيسي لتذبذب الليرة، هو تبسيط وتسطيح للمشكلة رغم عدم إنكار وجودها، لكن هناك أسباب أهم بكثير، أولها – وخاصة في المرحلة الحالية – شبه التوقف للإنتاج الذي يؤدي حتماً إلى اختلال ميزان التجارة، فسوريا اليوم تستورد أكثر بكثير مما تصدّر، ما يعني طلباً دائماً على الدولار، ومع تراجع الإنتاج المحلي بمختلف أشكاله، لم تعد الليرة مدعومة باقتصاد حقيقي، أي بالإنتاج، بل تعتمد على تحويلات المغتربين وبضع مصادر غير مستقرة.
ولا يقل العامل النفسي أهمية عمّا سبق، ففي سوريا، ولكثرة ما يتم الحديث عن الاستثمارات والانفتاح الاقتصادي وتغيير نوع الاقتصاد ورفع العقوبات، أصبح العاملان السياسي والإعلامي يلعبان دوراً مهماً في موضوع سعر الصرف، ما يجعل بإمكان أي خبر صغير أن يهزها، وأي إجراء محدود يمكن أن يرفعها مؤقتاً، أضف إلى ذلك عدم وجود سعر صرف واحد في البلد، بل سعر رسمي وسعر موازٍ، ما يخلق اقتصادين في آن واحد، فالتاجر يسعّر وفق السوق، بينما تبقى النشرات الرسمية خارج التداول الفعلي، ولا تعكس الوضع الاقتصادي الحقيقي للعملة ولأسعار السلع.
أما الأهم والأخطر برأي كثيرين، فهو ضعف الثقة بالعملة نفسها، وتحولها إلى وسيلة مؤقتة للتبادل، ما عزز "الدولرة" وإن كانت غير معلنة، لكن الحقيقة هي أن الدولار أصبح المرجعية الفعلية للتسعير وللادخار أيضاً.
وللأسف، تستمر ذات الحلول المنقوصة والمؤقتة أيضاً للمشكلة، مثل حبس السيولة وضبطها التي تمنح الليرة دفعة مؤقتة، فيرتفع سعرها قليلاً، لكنها ما تلبث أن تعود للارتفاع مجدداً، وغالباً بقفزات أكبر من الارتفاع الذي كان موجوداً.
تدهور سريع
وحالياً، يشهد سعر صرف الليرة السورية تراجعاً ملحوظاً وكبيراً، حيث ارتفع سعر الدولار من حدود 11500 – 12000 ليرة في بداية عام 2026 إلى نحو 13300 – 13500 ليرة حالياً، ما يعكس انخفاضاً في قيمة الليرة بنسبة تتراوح بين 15 و18% خلال أشهر قليلة، مع الإشارة إلى أن السوق مرّ أيضاً بفترات تحسن مؤقت خلال هذه الفترة. هذا التراجع لا يمكن اعتباره - بحسب خبراء - انهياراً مفاجئاً، بقدر ما هو عودة تدريجية إلى المسار الحقيقي والقيمة الحقيقية للعملة، بمعنى آخر، إن ما يحدث اليوم، أقرب إلى عملية تصحيح قسرية، حيث يعيد السوق تسعير الليرة وفق معطياته الفعلية، ليس كذلك فقط، بل يرى مختصون أن العامل النفسي أصبح في رأس سلم الأسباب تقريباً، وذلك بعد انكشاف الفجوة بين الخطاب المتفائل حول الاستقرار والتعافي والانفتاح الاقتصادي، وبين الواقع الذي لم يشهد تغيراً جوهرياً حتى اللحظة.
مسار مستمر
الخبير الاقتصادي شادي أحمد وفي دردشة مع Syria One، يرى مسار انخفاض سعر الليرة مرشح للاستمرار خلال المرحلة القادمة، لكن ليس بشكل خطي، بل على شكل موجات: فترات استقرار نسبي قصيرة، تتبعها قفزات في سعر الصرف، وهذا ما يحدث فعلياً في السوق.
أما بالنسبة للمستوى الذي يمكن أن يصل إليه السعر، فيصعب تحديد رقم دقيق له بحسب أحمد، لكن في ظل المعطيات الحالية، فإننا نتجه نحو نطاقات أعلى تدريجياً، وقد نشهد تجاوز مستويات 15 ألف ليرة للدولار إذا استمرت الظروف نفسها دون أي تدخل جوهري، أي دون حدوث تغييرات بنيوية في الاقتصاد، سواء عبر زيادة الإنتاج أو ضخ تدفقات "دولارية" حقيقية في السوق، وليس إجراءات مؤقتة أو إدارية.
لا أسباب ولا مبررات
أما عن سبب الانخفاض الحالي لسعر صرف الليرة، يؤكد أحمد أنه سؤال لم يجد له إجابة، لكن وبكل تأكيد لا يوجد أي تبرير اقتصادي لما يحدث، موضحاً أن القفزات الكبيرة بسعر الدولار لها مواسم محددة؛ مثل بداية الشتاء حين يكون هناك طلب لاستيراد المحروقات، ونحن حالياً في نهايات الربيع، كذلك يقفز الدولار في موسم شراء الدولة لمحصول القمح، وقد تجاوزناه منذ أشهر، إضافة إلى أن تحويلات المغتربين تزداد في مثل هذا الوقت من السنة، أي يجب أن يرتفع سعر صرف الليرة لا العكس.
وبين هذا وذاك، تستمر القاعدة التي لا استثناءات لها، وهي أن الثمن، يدفعه المواطن السوري.






