في قلب المعاناة السورية، تولد مبادرات نسائية، تحول المهارات المنزلية التقليدية إلى مشاريع إنتاجية ذات قيمة اقتصادية حقيقية، ومن هذه المبادرات يبرز مشروع "مونة بيتنا" الذي لا يكتفي بإنتاج المونة بوصفات الجدات، بل يصنع من كل "مرطبان" قصة صمود وأمل لنساء معيلات واجهن ظروف الحياة القاسية بالعمل والإنتاج.
وفي حديث لـ Syria One، تسلط ثريا حجازي، مديرة منظمة "مسارات إبدالية"، المؤسّسة للتعاونية الاقتصادية النسائية (بيتنا)، الضوء على تفاصيل هذا المشروع، والتحديات التي تواجهه.
وتوضح حجازي: "المنظمة أسست تعاونية (بيتنا) للاقتصاد النسائي، والتي تمثل سلسلة إنتاج متواصلة تبدأ من غرفة إنبات وإكثار البذور في منطقة السلمية، مروراً بمساحات زراعية في الغوطة الشرقية بريف دمشق، وصولاً إلى (مطبخ بيتنا) في حي القابون"، معلنة عن قرب افتتاح أول نقطة بيع للمشروع، الذي يعتمد على تشغيل نساء معيلات لأسرهن من عائلات المفقودين والشهداء، مؤكدة أنه مشروع صديق للبيئة بالكامل.
وتضيف: "مطبخ بيتنا، هو مطبخ مجتمعي ينتج المونة السورية بوصفات الجدات التقليدية، والمشروع يواجه تحديات عدة، يأتي في مقدمتها صعوبة بناء الثقة بمنتج جديد في سوق ينظر أحياناً إلى صناعة المونة كـ "مجرد عمل منزلي غير محسوب. نريد اليوم إثبات أن هذا العمل يُنتج بدقة وخبرة وجهد، وأن لكل تفصيل فيه قيمة اقتصادية حقيقية".
وتتابع: "التقلبات اليومية في أسعار المواد الأولية، إلى جانب تكاليف النقل والكهرباء، تشكل تحدياً ثانياً، في حين يسعى المشروع لإيجاد موازنة دقيقة بين تكلفة الإنتاج، وضمان أجر عادل للنساء، وتقديم أسعار مخفضة تناسب الجميع، لكي لا تقتصر هذه المونة على العائلات الميسورة فقط، بل تصل إلى كل منزل سوري".
وحول المنتجات، أشارت حجازي إلى صعوبة اختيار صنف واحد نظراً لأن العمل يعتمد على المواسم، ويشمل المربيات، والمجففات، والعصائر، مؤكدة أن السر في جودة منتجات "بيتنا" يكمن في أنها تُصنع بكميات محدودة ومتكررة بمكونات واضحة تماماً، وخالية من أي إضافات كيميائية، كما أن طريقة التغليف والتصميم تعتمد على الزجاج والورق القابل لإعادة التدوير، ليعيد شكل "المرطبان" إلى الأذهان ذاكرة بيوت الأمهات والجدات، بوصفه منتجاً صُنع بأمل ومحبة.
وعن الأثر الاجتماعي للمشروع، أكدت مديرة المنظمة أن المبادرة غيرت نظرة النساء لأنفسهن، فالخبرة التي كانت تُرى كواجب منزلي عادي تحولت اليوم إلى عمل منتج يدر دخلاً وله قيمة اقتصادية، مضيفة: "خلف كل مرطبان سيدة تدعم عائلتها، وتكتشف قدرتها على الإنتاج والقرار والمشاركة الاقتصادية.. المطبخ لم يعد مجرد مكان لإعداد الطعام، بل تحول إلى مساحة للتعلم، والنقاشات الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، وإنتاج المعرفة".
ووجهت حجازي رسالة إلى كل امرأة سورية قائلة: "خبرتك وقوتك ليست قليلة.. أنتِ التي صمدتِ طوال هذه السنوات وحملتِ عبء البيت والعائلة والمجتمع، وكل تفصيل صغير تتقنينه يمكن أن يتحول إلى فرصة عمل ودخل حقيقي".
وختمت حجازي كلامها، بالحديث عن طموحات المشروع المستقبلية، والتي تتمثل في التوسع لتوفير فرص عمل أكبر، وتحقيق تكامل فعلي يربط الأرض بالمطبخ ثم السوق، لتصل المنتجات إلى كل بيت سوري بغض النظر عن وضعه الاقتصادي، كما يطمح المشروع إلى التطور نحو منشأة متوسطة الحجم، لا تقتصر على الإنتاج الاقتصادي فحسب، بل تكون مساحة تجمع السوريين والسوريات، يتشاركون فيها قصصهم وآلامهم، ويعيدون بناء روابط المحبة، ليؤكدوا معاً أن "هذه البلاد تتسع للجميع".








