تضج شاشات الهواتف الذكية في سورية بآلاف الإعلانات والصفحات التي تديرها فتيات صغيرات وطالبات جامعيات روّجن لأنفسهن كمشرفات ومسوقات لشركات وتطبيقات تسوق شهيرة، مروّجات لوعود براقة بفرص عمل سهلة وأرباح خيالية من خلف الشاشات.
وفي خضم هذا الصخب الاستهلاكي، تتحول صفحات الانستغرام والتيك توك إلى أسواق افتراضية فوضوية تفتقر لأي غطاء قانوني أو خبرة حقيقية.
وبين طموح فتيات يافعات يسعين لتأمين مصروفهن الدراسي، ووقوعهن في شرك شبكات شحن وهمية وعمليات نصب تلتهم أموالهن وأموال الزبائن، تتباين التجارب وتتعدد الحكايات التي تعريها شهادات حية من قلب الواقع، لنقترب أكثر من مأساة "التسوق الوهمي" وتداعياته المتشعبة بين طموح الاستقلال وكابوس الخسائر.
حلم الاستقلال المالي تحول إلى كابوس
تقف الشابة لامار محمد، طالبة السنة الثالثة في جامعة دمشق، على ركام تجربة مريرة بدأت بإعلان برّاق على انستغرام يعد بفرصة عمل مرنة لطالبات الجامعات في مجال التوسط والتسويق الإلكتروني لصالح منصات أزياء عالمية. وفي حديث خاص لمنصة Syria One، تروي لامار كيف جذبتها الكلمات المعسولة عن "العمل من البيت والأرباح السريعة"، لتبدأ رحلتها الطويلة في تلقي طلبات زميلاتها وصديقاتها، متكئة على ثقتهن الشخصية بها، وتقول لامار إنها وجدت نفسها بين عشية وضحاها مطوقة بديون مالية فلكية بعد أن تعرضت لعملية نصب محكمة من قبل وسيط شحن وهمي اختفى مع أموال الزبائن، ليتحول حلمها البسيط في مساعدة أسرتها وتغطية أقساطها الجامعية إلى كابوس مرعب من المطالبات القضائية وضياع السمعة الأكاديمية.
الجانب المضيء وفرص الاستقلال المالي
في المقابل، تقدم الشابة إيناس حيدر، الطالبة الجامعية التي تعمل في التسويق الإلكتروني منذ أكثر من عام، رؤية مختلفة تماماً تعكس الجانب الإيجابي للتجربة وتحدياتها الناجحة. وفي تصريح لمنصة Syria One، تؤكد إيناس أن عملها كمسوقة لمنتجات إحدى الشركات عبر منصات التواصل الاجتماعي مثّل لها طوق نجاة حقيقي ونافذة أمل للاستقلال المالي دون الحاجة لطلب المساعدة من أحد، وتشرح إيناس أن العوائد المادية التي حققتها ساعدتها بشكل مباشر في تغطية أجور نقلها الجامعي وثمن كتبها ومستلزماتها الدراسية، مشيرة إلى أن السر يكمن في التنظيم الصارم للوقت بين المحاضرات وإدارة الطلبات، فضلاً عن التعامل بحذر مع شركات الشحن المعروفة وتجنب الجهات المجهولة. وترى إيناس أن التسويق الإلكتروني، لمن يمتلك الصبر والأمانة في التعامل مع الزبائن، يمثل فرصة عمل ذهبية للشباب السوري وسط الظروف المعيشية الضاغطة، شريطة الوعي بقواعد السوق الافتراضي وعدم الانسياق خلف الوعود الوهمية للربح السريع والمجاني.
فتيات الجامعات في مواجهة غابة التجارة الإلكترونية
تتحمل الشريحة الأوسع من الطالبات الجامعات وزر خوض غمار التجارة الإلكترونية دون أي أبجديات مهنية أو خبرات تسويقية حقيقية، حيث تُلقى الفتيات في مهب الريح بلا دورات تدريبية أو مظلات قانونية تحميهن. وتعتمد معظم المسوقات على علاقاتهن الشخصية وشبكة معارفهن في الجامعة والحي، مستغلات ثقة المحيطين بهن لجمع الأموال الطائلة وتحويلها عبر وسطاء مجهولين دون ضمانات خطية أو فواتير رسمية تثبت الحقوق، هذا الفراغ الإداري والمهني يجعل من الصعب جداً على هذه الفتيات إدارة الأزمات حين تتعطل شحنات البضائع أو تتأزم المراسلات مع الموردين، مما يحولهن من مجرد وسيطات تسويق إلى كبش فداء لتحمل الخسائر المادية بالكامل من جيوبهن المنهكة أصلاً.
المشتري بين لوعة الانتظار وفخ النصب
لا تقف أضرار هذه الفوضى عند حدود المسوقات وحدهن، بل تمتد لتطال آلاف الزبائن والمشترين الذين يقعون ضحية إعلانات وهمية تعد بأزياء عالمية وبأسعار تنافسية، وتشهد المجموعات المحلية على منصات التواصل الاجتماعي شكاوى يومية لمواطنين دفعوا مدخراتهم مقدماً للحصول على طلبيات موسمية، ليفاجؤوا بانقطاع التواصل تماماً مع الصفحات الوهمية، أو بوصول بضائع رديئة ومخالفة تماماً للمقاسات والمواصفات المعروضة. وفي ظل غياب أي جهة رقابية محلية قادرة على ملاحقة صفحات وهمية تدار من خلف الحدود أو بأسماء مستعارة، يفقد المستهلك السوري حقه القانوني في الاسترجاع أو التعويض، وتتآكل الثقة المتبادلة في قطاع التجارة الرقمية الناشئة.
تراجع التحصيل العلمي
تتجاوز الخسائر المالية والنفسية لتلقي بظلالها القاتمة على المسار الأكاديمي لعشرات آلاف الطالبات اللواتي يستنزفن ساعات طوال يومياً في الرد على الرسائل، وتنسيق الألوان، ومتابعة طرود الشحن، وإدارة المشاكل مع الزبائن الغاضبين، لينعكس هذا الضغط العصبي المستمر بشكل كارثي على حضور المحاضرات ومعدلات التحصيل الدراسي، لتشهد الجامعات تراجعاً ملحوظاً في مستويات الطالبات اللواتي غرقن في وحل "التجارة السريعة" على حساب مستقبلهن العلمي الحقيقي، وتحديداً لمن تنقصهن مهارات إدارة الوقت الصارمة، لتتحول الجامعة تدريجياً من منصة لبناء العقول والخبرات إلى ساحة صراع يومي لتأمين ثمن حقيبة أو رصيد إنترنت، في استنزاف واضح لطاقات الشباب السوري.
نحو تنظيم رقمي يغلق باب الاحتيال
يبقى المشهد مفتوحاً على إشكاليات عميقة تتطلب وعياً مجتمعياً وقانونياً صارماً للحد من استغلال الطالبات ووقوع المواطنين في فخ النصب الإلكتروني الممنهج، ويبقى الصوت الإنساني والاقتصادي عالقاً بضرورة توعية الجيل الجديد بأن العمل الشريف وبناء المستقبل الأكاديمي لا يمكن أن يُبنيا على وعود الربح السريع أو الوهم الرقمي المستورد عبر صفحات مجهولة الهوية، مع أهمية إيجاد أطر تنظيمية تحمي حقوق المستهلكين وتحصن الفتيات من السقوط في شباك شبكات الاحتيال، وصولاً إلى نموذج عمل منظم يحفظ كرامة الشابات ويوجه طاقاتهن نحو الإنتاج الحقيقي الآمن.






