بعد سنوات طويلة من القصف والنزوح والدمار، يحاول السوريون العودة إلى بيوتهم وحقولهم ومدنهم التي هجّرتهم الحرب منها.
لكن في كثير من المناطق، لا يزال الموت ينتظرهم تحت الأرض.
خطوة واحدة، قد تكون كافية لإنهاء حياة طفل، أو بتر ساق مزارع، أو تحويل رحلة العودة إلى مأساة جديدة.
الألغام ومخلّفات الحرب غير المنفجرة، تحولت اليوم إلى أحد أخطر التهديدات اليومية في سوريا، في بلد تقول الأمم المتحدة إن أكثر من 15.4 مليون شخص فيه معرضون لخطر المتفجرات، أي ما يزيد عن 65 بالمئة من السكان.
وفي أحدث التحركات الدولية، أعلنت سفارة بولندا في دمشق، تقديم مساهمة مالية جديدة بقيمة 250 ألف دولار لدعم جهود إزالة الألغام عبر دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام "UNMAS"، في خطوة تهدف إلى تمويل عمليات المسح والتطهير والتوعية بمخاطر الألغام.
لكن حجم الكارثة يبدو أكبر بكثير من أي دعم منفرد. فبحسب بيانات وتقارير المنظمات الإنسانية، سُجل في سوريا منذ 8 كانون الأول 2024، وحتى نهاية عام 2025، أكثر من 920 حادثاً مرتبطاً بالألغام ومخلّفات الحرب.
وكانت النتيجة مقتل 607 أشخاص، بينهم 177 طفلاً، وإصابة أكثر من 1070 آخرين، بينهم 440 طفلاً.
تكشف الأرقام جانباً آخر أكثر قسوة، حيث وقعت معظم الحوادث في الأراضي الزراعية والمراعي، حيث يحاول السكان استعادة مصادر رزقهم بعد سنوات الحرب. ومن أصل تلك الحوادث، وقع 567 انفجاراً في مناطق زراعية أو رعوية، ما أدى إلى مقتل 364 شخصاً وإصابة 595 آخرين.
في دير الزور، التي تُعد من أكثر المحافظات السورية تلوثاً بالألغام، باتت الانفجارات جزءاً من الحياة اليومية للعائدين.
ووفقاً لمنظمة "أطباء بلا حدود"، كانت تستقبل الفرق الطبية في مستشفى دير الزور الوطني خلال بعض الفترات مصاباً يومياً على الأقل، بسبب الألغام أو الذخائر غير المنفجرة، نسبة كبيرة من الضحايا هم أطفال.
ولا تقتصر المشكلة في سوريا على الألغام التقليدية فقط، بل تشمل الذخائر العنقودية والقذائف غير المنفجرة والعبوات المزروعة في مناطق سكنية وزراعية وعلى أطراف الطرقات.
أرقام تكشف حجم الكارثة
تؤكد الأمم المتحدة أن سوريا بقيت بين أكثر دول العالم تسجيلاً لضحايا المتفجرات خلال السنوات الأخيرة. ومع عودة مئات الآلاف من المهجّرين إلى مناطقهم منذ نهاية 2024، ارتفعت المخاطر أكثر، خاصة في المناطق التي شهدت معارك طويلة.
وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 60 بالمئة من الحوادث، وقعت أثناء أنشطة مرتبطة بالحياة اليومية.
كما أن الأزمة الاقتصادية دفعت كثيرين إلى جمع الخردة من المواقع العسكرية المدمرة، وهي مهنة تحولت في بعض المناطق إلى مصدر رزق شديد الخطورة، بسبب احتمال وجود ذخائر غير منفجرة بين الركام.
إزالة الألغام.. سباق الحياة مع الموت
تعمل الأمم المتحدة إلى جانب منظمات دولية ومحلية على تنفيذ عمليات إزالة الألغام والتوعية بمخاطرها، لكن تلك الجهود ما تزال أقل بكثير من حجم التلوث المنتشر في البلاد.
وتؤكد "UNMAS"، أن قطاع إزالة الألغام في سوريا يعاني من نقص حاد في التمويل، إذ لم يحصل خلال عام 2024 إلا على نحو 13 بالمئة فقط من المبلغ المطلوب، رغم الحاجة إلى عشرات ملايين الدولارات سنوياً.
ورغم إزالة أكثر من عشرة آلاف جسم متفجر منذ إطلاق البرنامج الأممي الموسّع، لا تزال مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية والقرى والطرق غير آمنة.
في سوريا اليوم، قد تكون الحرب انتهت في السماء.. لكنها لا تزال مدفونة تحت التراب.
وحتى يتم تطهير الحقول والطرقات والمنازل من المتفجرات، سيبقى ملايين السوريين يعيشون فوق أرض يمكن أن تنفجر بهم في أي لحظة.






