مجتمع

بعد الانتقال من "استهلاك الرفاه" إلى "استهلاك البقاء".. د.سمر علي لـ Syria One: ثقافة "الضروري" قلبت حياة السوريين

933
بعد الانتقال من "استهلاك الرفاه" إلى "استهلاك البقاء".. د.سمر العلي لـ Syria One: ثقافة "الضروري" قلبت حياة السوريين لميس حسين

لم يعد الاستهلاك في سوريا فعلاً تلقائياً، بل سؤالاً يومياً يختبر القدرة على الصمود: ماذا نشتري؟ ماذا نؤجل؟ وما الذي يمكن أن نعيش من دونه؟ لتعيد الأسر السورية صياغة علاقتها بالعالم المادي، فصار الضروري هو البوصلة الوحيدة، والفقر دفع الناس إلى إعادة اكتشاف معنى الحاجة من جديد.


تحوّل الاستهلاك


بين عامي 2015 و2025، انتقل السوريون من نمط استهلاك يعتمد على التنوع والخيارات إلى نمط يقوم على الحد الأدنى.


وتقول الدكتورة سمر علي عضو الهيئة التدريسية في المعهد العالي للدراسات والبحوث السكانية بوزارة التعليم العالي لـ Syria One: إن ثقافة "الضروري فقط" ليست مجرد سلوك جديد، بل آلية تكيف تلجأ إليها الأسرة لمقاومة التحديات المعيشية وارتفاع الأسعار مقابل انخفاض القوة الشرائية، وتوضح أن هذه الثقافة ليست قراراً فردياً بل إعادة تنظيم للحياة اليومية تحت ضغط اقتصادي مستمر، حيث أدى تراجع مستوى المعيشة لفترات طويلة إلى تغيير جذري في النمط الاستهلاكي المعتاد.


وتشرح د.سمر أن هذه الثقافة تتجلى في تقليص الاستهلاك إلى الحدود الدنيا والاكتفاء بكميات قليلة تفي بالحاجة، وإلغاء أو تأجيل شراء كل ما هو غير ضروري، وتبديل الأولويات من الجودة والتنوع إلى مجرد سد الحاجات الأساسية، كما تشمل تدوير الموارد القابلة للإصلاح، وإعادة الاستعمال بطرق مختلفة، والاعتماد على المستعمل بدلاً من الجديد الأعلى كلفة، إضافة إلى تغيير معنى الاستهلاك اجتماعياً ليصبح وظيفياً أكثر من كونه مظهرياً أو تعويضياً.


الاكتفاء الصامت


هذا التحوّل لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة تفاعل عوامل اجتماعية ونفسية متشابكة، وتوضح د.سمر في حديثها لـ Syria One أن تراجع القدرة الشرائية كشف الفجوة الكبيرة بين مستوى الدخل والاحتياجات الأساسية، ما دفع الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها، كما انتشر اقتصاد المقايضة والبدائل المستعملة، خصوصاً في الأسواق الشعبية التي ظهرت بشكل غير رسمي لتلبية حاجات شريحة واسعة من السكان.


أما نفسياً، فتشير إلى أن القلق المالي أصبح جزءاً من الحياة اليومية، حيث يتحول الاستهلاك إلى محاولة للسيطرة على الخوف من المستقبل عبر ضبط الإنفاق، مضيفة أن الإرهاق الناتج عن انعدام الأمان الاقتصادي يجعل التخطيط المالي الطويل أمراً صعباً، بينما يؤدي تكرار الحرمان إلى تكوين عادات ثابتة، كما أن الشراء لم يعد متعة بل واجباً، وإن الاستهلاك الرمزي الذي كان يعكس مكانة اجتماعية تراجع لصالح ما تسميه "الاكتفاء الصامت"، أي شراء ما يكفي فقط دون أي توقعات إضافية.


المستعمل والبدائل


لم يعد شراء المستعمل خياراً ثانوياً، بل أصبح جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، وتوضح د.سمر أن البدائل المحلية والمستعملة تلعب دوراً مهماً في تخفيف الكلفة، وقد تكون ظاهرة مؤقتة إذا تحسنت الظروف، لكنها قد تتحول إلى نمط دائم إذا اكتشفت الأسر أن هذه البدائل تحقق وفراً حقيقياً حتى في حال ارتفاع الدخل لاحقاً.


وتشير إلى أن الأسر باتت تعتمد على إصلاح الأدوات بدل استبدالها، وعلى إعادة تدوير الملابس، وعلى المنتجات المنزلية بدلاً من الجاهزة، إضافة إلى حلول مبتكرة مثل مشاركة الجيران في شراء بعض المواد، وتقليل كميات الطهي، واستبدال اللحوم بالبقوليات، وحتى الزراعة المنزلية على الشرفات والأسطح، هذه الممارسات، كما تقول، ليست مجرد إجراءات مؤقتة بل تعبير عن قدرة المجتمع على التكيف مع واقع اقتصادي ضاغط.


من يتخذ قرار الشراء؟


لم يمرّ هذا التحوّل دون أثر على الأسرة، وتشرح د.سمر أن ارتفاع الأسعار وعدم تكافؤها مع الأجور أدى إلى أزمات مالية داخل المنزل، ما أعاد تشكيل السلطة المرتبطة باتخاذ القرار الشرائي، وتقول إن تراكم الفواتير والاحتياجات يجعل القرارات الاستهلاكية محصورة بالشخص الأكثر قدرة على التفاوض وإجراء الحسابات المالية، سواء كان الزوج أو الزوجة.


كما تضيف أن النقاش حول الاستهلاك تحوّل إلى نقاش حول الأولويات، وأن الاكتفاء بأقل من حد الكفاف أصبح واقعاً في بعض الحالات، مشيرة إلى أن العجز عن تلبية الاحتياجات يولّد شعوراً بالتوتر والقلق والذنب، وقد يؤدي إلى خلافات أسرية، ويمتد الأثر إلى العلاقات مع الأقارب، حيث يؤدي طلب الدعم من الأسرة الممتدة إلى تدخل في خصوصيات الأسرة وقراراتها الاستهلاكية، ليصبح الاستهلاك أكثر تدقيقاً من حيث الأسعار، واستبدال الماركات، واختيار السلع الأطول عمراً رغم انخفاض جودتها.


الفئات الهشّة


تؤكد د.سمر أن الفئات الأكثر هشاشة، مثل كبار السن والأسر ذات الدخل المحدود، تدفع الثمن الأكبر لهذا التحوّل، حيث يؤدي نقص التنوع الغذائي إلى مشكلات صحية وسوء تغذية لدى الأطفال، والاعتماد على المستعمل يرفع كلفة الإصلاح المتكرر بسبب انخفاض الجودة، كما يواجه كبار السن صعوبة في الاستغناء عن أدوية الأمراض المزمنة أو استبدالها بأخرى أقل فاعلية، ما يشكل خطراً على حياتهم.


وتشير د.سمر إلى أن الهشاشة لا تتعلق فقط بالدخل، بل أيضاً بالقدرة على الوصول إلى الأسواق والتنقل، حيث تشكل كلفة المواصلات عبئاً إضافياً، مضيفة أن استمرار هذا الوضع يؤدي إلى ظهور هشاشة صحية وتعليمية ونفسية تتفاقم بمرور الوقت.


استهلاك البقاء


ترى د.سمر أن هذا التحوّل سيترك آثاراً بعيدة المدى على المجتمع والاقتصاد، فاجتماعياً العادات والقيم تتجه من "استهلاك الرفاه" إلى "استهلاك البقاء"، والتفاوت الاستهلاكي يتراجع شكلياً لكنه يبقى قائماً في الجودة، مشيرة إلى نمو ثقافة التشارك داخل الأحياء وبين الأقارب والجيران وهو أثر إيجابي، مقابل زيادة التوتر واليأس لدى الشباب الذين يبحثون عن حلول مثل السفر والهجرة.


أما اقتصادياً، فتوضح أن أسواق البضائع المستعملة ستتوسع، وأن ورشات الإصلاح ستنمو على حساب الجودة والكفالة، بينما تنكمش الصناعات الكمالية، مبينة أن السوق يتجه تدريجياً نحو "اقتصاد وظيفي منخفض الهامش"، أي اقتصاد يركز على الأرخص على حساب الجودة والابتكار.


وتختتم د.سمر حديثها لـ Syria One بقولها إن ثقافة "الضروري فقط" في سوريا ليست سلوكاً عابراً، بل استجابة عميقة لضغط اقتصادي ممتد.


ورغم المرونة التي يقدمها هذا النمط، إلا أنه يحمل كلفة اجتماعية ونفسية وصحية كبيرة، حيث ترى أن تحول هذه السلوكيات إلى ثقافة دائمة يتوقف على مدى تحسن الظروف الاقتصادية وتوفر سياسات تحمي حق الجميع في الاحتياجات الأساسية، ليكون التحدي اليوم هو الانتقال من "الاكتفاء تحت الضغط" إلى "الاكتفاء المستدام"


مقالات ذات صلة

الدين الأميركي يتجاوز 40 تريليون دولار.. خبير لـ Syria One: آثار أزمة واشنطن ستطال العالم كله

الدين الأميركي يتجاوز 40 تريليون دولار.. خبير لـ Syria One: آثار أزمة واشنطن ستطال العالم كله

تجاوز الدين العام الأميركي حاجز 40 تريليون دولار، وذلك في وقت تتراكم فيه على واشنطن أعباء اقتصادية وعسكرية وجيوسياسية، إذ يرى الخبير الاقتصادي والاستثماري عامر ديب أنها ساهمت في دفع الدين إلى مستويات
5
"العبء النفسي للمستلزمات المدرسية".. مستشارة أسرية لـ Syria One: الفوارق الطبقية تهدد سلامة الأطفال والأهل والحل يبدأ من المدارس

"العبء النفسي للمستلزمات المدرسية".. مستشارة أسرية لـ Syria One: الفوارق الطبقية تهدد سلامة الأطفال والأهل والحل يبدأ من المدارس

مع اقتراب انطلاق العام الدراسي الجديد، تحول التحضير للمدارس وشراء المستلزمات والقرطاسية من مناسبة مبهجة للأطفال إلى عبء نفسي واقتصادي ثقيل يلاحق الكثير من العائلات، حيث تتداخل الضغوط المادية
7
الجنايات الرابعة بدمشق تقضي بسجن أحمد حسون مدى الحياة ومصادرة أمواله المنقولة وغير المنقولة

الجنايات الرابعة بدمشق تقضي بسجن أحمد حسون مدى الحياة ومصادرة أمواله المنقولة وغير المنقولة

قضت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، اليوم الإثنين، بالسجن المؤبد مدى الحياة ‏على المتهم أحمد حسون ‌‏ومصادرة أمواله المنقولة وغير المنقولة
10
البابا ليو يدق ناقوس الخطر العالمي للتحرك لمواجهة إيبولا في الكونغو

البابا ليو يدق ناقوس الخطر العالمي للتحرك لمواجهة إيبولا في الكونغو

دعا البابا ليو بابا الفاتيكان اليوم الأحد ​إلى اتخاذ إجراءات على مستوى العالم ‌للمساعدة في احتواء آثار تفشي فيروس إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية، والذي أودى ​حتى الآن بحياة أكثر من ​2500
33
دير الزور في المرتبة الأولى.. الصحة: نسبة المدخنين تتجاوز الـ 62% في سوريا!

دير الزور في المرتبة الأولى.. الصحة: نسبة المدخنين تتجاوز الـ 62% في سوريا!

كشف مصدر بوزارة الصحة السورية، عن وجود نسب مرتفعة في سوريا في التدخين، تتجاوز 62,8% من المواطنين وفق المسح الوطني الذي جرى مؤخراً.
91
سيرياون إعلان 7