في الشمال الشرقي لسوريا، وعلى طول ضفاف نهر الفرات في محافظة دير الزور تحديداً، شهدت الأشهر الأخيرة تحوّلًا جذريًا في إدارة الموارد النفطية بعد انسحاب قوات سوريا الديمقراطية من المنطقة.
الحكومة السورية الجديدة، التي تمكنت من استعادة السيطرة على الحقول النفطية، شرعت فورا في تنفيذ خطة لتدمير الحرّاقات النفطية البدائية التي انتشرت خلال سنوات الحرب، والتي كانت تُشكّل شريان حياة لآلاف السكان المحليين.
هذه الخطوة لم تأتِ فقط لأسباب بيئية أو قانونية، بل كانت مؤشراً واضحاً على عزم الدولة فرض سيطرتها الاقتصادية والاستراتيجية على الموارد الحيوية بعد فترة طويلة من الانفلات.
الحرّاقات النفطية.. واقع هش ومستقبل محفوف بالمخاطر
الحرّاقات النفطية، أو المصافي البدائية التي تعمل بدون أي معايير فنية أو بيئية، كانت تنتج ما يقدر بـ 10 إلى 15 ألف برميل يوميًا من المازوت والبنزين منخفض الجودة، هذا الإنتاج، رغم كونه محدودًا من الناحية الاقتصادية، شكّل مصدر دخل لا يُستهان به لعائلات كاملة في ريف دير الزور، حيث وفر الوقود الأساسي لتشغيل محركات الزراعة والمولدات الصغيرة، وأتاح لسوق الظل المحلي الاستمرار رغم العقوبات وانهيار البنية التحتية الرسمية.
لكن السلطات الجديدة قررت أن تضع حدًا لهذه الظاهرة، معتبرة أن استمرارها يضر بالاقتصاد الوطني ويهدد صحة السكان ويمثل تهديدًا أمنيًا.
فالحرّاقات كانت تنبعث منها سحب كثيفة من الدخان الأسود محمّلة بالكبريت والمعادن الثقيلة، ما أدى إلى تلوث واسع للهواء والتربة والمياه الجوفية، كما أن استمرار نشاط هذه المصافي ساهم في خلق سوق سوداء للطاقة، مع تباين كبير في الأسعار وزيادة فرص تهريب الوقود أو تمويل عناصر غير خاضعة للرقابة الرسمية، وهو ما يشكل تهديدًا مباشرًا لاستقرار المنطقة.
الاحتجاجات الاجتماعية.. بين الغضب والضغط على الحكومة
مع بداية الحملة الرسمية، شهدت المنطقة موجة احتجاجات من العاملين في الحرّاقات، الذين رأوا في تدمير هذه المنشآت تهديدًا مباشرًا لمصدر رزقهم اليومي.
التجمعات الاحتجاجية كانت محدودة في البداية، لكنها حملت في طياتها مؤشرات على توتر اجتماعي محتمل، خصوصًا أن آلاف الأسر تعتمد على هذه المصافي كمصدر رئيسي للوقود والدخل.
وتحدثت مصادر محلية عن محاولات للتفاوض مع السلطات لتأجيل الإغلاق أو تقديم بدائل اقتصادية، لكنها لم تلقَ صدى فعليًا، في وقت أعلنت فيه الحكومة أن خطتها للإغلاق ستستمر وفق جدول زمني صارم.
الأبعاد الاقتصادية والاستراتيجية للحملة
من منظور اقتصادي واستراتيجي، تهدف دمشق إلى إعادة دمج إنتاج النفط في النظام الرسمي، حيث تشير تقديرات أولية إلى أن الحقول تحت السيطرة الحكومية يمكن أن تنتج حوالي 45 إلى 50 ألف برميل يوميًا من النفط الخام، بعد إعادة تأهيل المصافي الرسمية.
بهذا الإنتاج، ستكون الحكومة قادرة على ضبط الأسعار، وتقليل الاعتماد على السوق السوداء، وتحويل العوائد إلى خزينة الدولة لدعم ميزانية إعادة الإعمار، كما يتيح ضبط الإنتاج فرصة لتخطيط استراتيجي طويل المدى، يشمل توسيع المصافي وتحسين جودة الوقود، وربما تأمين جزء منه للتصدير، ما يعزز نفوذ الدولة في أسواق الطاقة الإقليمية.
إغلاق الحرّاقات لم يكن له بعد اقتصادي فقط، بل أيضًا سياسي وأمني، فالتحكم في الموارد النفطية يعد مؤشرًا على قدرة الحكومة على فرض سيطرتها بعد سنوات من الفراغ الأمني، ويقلص إمكانية استخدام هذه الموارد كوسيلة نفوذ من قبل جماعات محلية أو فصائل مسلحة. وبالطبع، فإن كل خطوة لإغلاق هذه الحرّاقات تُقابل بتوتر شعبي، ما يجعل من شرق الفرات منطقة اختبار لسياسات الحكومة الجديدة في توازن بين فرض النظام وتجنب تصعيد الاحتجاجات.
الاستراتيجية الحكومية لإعادة الهيكلة النفطية
تشمل الاستراتيجية الحكومية تقليل الاعتماد على التكرير البدائي عن طريق إعادة تأهيل المصافي الرسمية وإنشاء مراكز لتخزين النفط في مواقع آمنة ومراقبة، بما يتيح للدولة التحكم الكامل في إنتاج وتوزيع الوقود.
هذه الخطوة تؤكد أن الحكومة تنظر إلى النفط ليس فقط كسلعة اقتصادية، بل كأداة استراتيجية لتعزيز سيطرتها على شرق سوريا، وإعادة بناء الثقة مع السكان عبر توفير منتجات طاقة عالية الجودة، وتقليل المخاطر الصحية والبيئية.
الجانب الاجتماعي والبدائل الاقتصادية
على الجانب الاجتماعي، تُظهر التحليلات أن نحو 30 إلى 40 ألف شخص يعتمدون بشكل مباشر أو غير مباشر على نشاط الحرّاقات في دير الزور، أي خطط لإغلاق هذه المصافي يجب أن تراعي هذا البعد البشري، وإلا فإن التوترات يمكن أن تتحوّل إلى أزمات شاملة تشمل شبكات معيشية كاملة.
ولذلك، يجري الحديث عن إمكانية إدخال برامج دعم مؤقتة للسكان المتضررين، تشمل منحًا مالية أو فرص عمل مؤقتة ضمن مشاريع إعادة التأهيل الرسمية للقطاع النفطي، ما يساعد على تقليل الاحتكاكات الاجتماعية والسياسية.
التحولات الاستراتيجية بعد إعادة السيطرة
يمكن القول إن الحملة الحكومية على الحرّاقات النفطية في دير الزور تشكّل مرحلة حاسمة في إعادة فرض الدولة لنفوذها على شرق الفرات. هي ليست مجرد إزالة نشاط غير قانوني، بل إعادة هيكلة شاملة للقطاع النفطي بما يضمن الاستقرار الاقتصادي، ويعزز السيطرة السياسية، ويحمي البيئة ويخفف المخاطر الصحية.
نجاح هذه العملية يعتمد على قدرة الحكومة على موازنة السياسات الأمنية والاقتصادية مع حساسية السكان المحليين، وتحويل قطاع النفط من اقتصاد ظلّ هش إلى منصة إنتاجية واستراتيجية تحمي الدولة والمجتمع معًا.






