قلّما تجد شخصاً لا يعاني مما يشبه الانفصام. ومن أهم الأسباب ما يتركه العالم الافتراضي من صدماتٍ وندوب نفسية حوّلتنا جميعاً لأشخاص تائهين يسعون جاهدين فقط لتحقيق شيء من التوازن النفسي، بعد أن دخلنا صراعاتٍ ثقيلة ما بين واقعنا الحقيقي والعالم الافتراضي.
عن الضياع بين هذين العالمين، تقول أخصائية العلاج النفسي والدعم الاجتماعي الدكتورة روان القطيفاني لـ Syria One، إن هناك ضياعاً كبيراً ملحوظاً بين العالمين الواقعي والافتراضي، خاصةً عند مرضى الاكتئاب الذين يقومون دوماً بمقارنة حياتهم بحياة الآخرين، وأيضاً مرضى اضطراب الشخصية، لا سيما تلك الشخصيات التي تبحث عن المثالية والكمال، والذين نتيجة تلك المقارنة يفتقدون الرضا عن الواقع الحقيقي المُعاش. كذلك تعاني الشخصيات الوسواسية من حالة عدم الرضا وعدم القناعة، وبكل تأكيد ساهمت منصات التواصل الاجتماعي في تعزيز هذه الحالة، وجعلها أكثر تجذّراً في شخصية الكثير من الناس.
حالات وصلت للانتحار
تضيف الدكتورة القطيفاني: "عالم السوشال ميديا يشكّل خطراً حقيقياً على الأسرة وعلى المجتمع وعلى الفرد نفسه، خاصة أن هذا العالم مرافق لكل تفاصيل حياتنا اليومية، الأمر الذي أدّى إلى فقد الأفراد القدرة على التواصل الحقيقي البناء كما كان عاملاً مساعداً على التفكك الأسري، التأخّر الدراسي، والسمنة المفرطة عند الأطفال والمراهقين بشكل خاص، ولاحظنا جميعاً في الفترة الأخيرة إقدام عدد من المراهقين على الانتحار بسبب التقليد الأعمى لما يرونه على منصات التواصل الاجتماعي، وذلك بسبب التأثّر الكبير بهذا العالم، ومحاولتهم الوصول إلى تلك الصورة المثالية التي يصدرها مشاهير السوشال، والتي هي في النهاية عبارة عن فقاعات وليست سوى مثالية مزيفة وغير حقيقية أبداً.
تتابع قطيفاني: هذه الحالة المثالية هي فعلياً حالة مزيّفة، فنحن لا نعلم أبداً حقيقة الحياة الواقعية التي يعيشها أولئك المشاهير، والذين تحولوا عند الكثير من المراهقين إلى قدوة يحاولون فعل ما يفعلونه ويسعون لتقليدهم في كل شيء، وما يؤكد زيف تلك المثالية، الفضائح التي نراها ونسمع عنها يومياً، والتي تطال الكثير من المشاهير، والتي أيضاً تؤكد زيف كل ما يقومون بتقديمه وعرضه عبر منصات التواصل الاجتماعي.
الوعي وإشغال النفس بالمفيد
وتؤكد الدكتورة القطيفاني لـ Syria One أن تحقيق التوازن النفسي بين الحياة الواقعية وعالم السوشال ميديا، يتطلب الكثير من الوعي والنضج والانشغال بالعديد من الأنشطة الحياتية اليومية البعيدة عن عالم السوشال، هناك أشخاص يحققون هذا التوازن بتحويل هواتفهم المحمولة إلى وسائل للتواصل والاتصال، وأيضاً لخدمة أعمالهم فقط، بينما من ناحية أخرى، نرى الكثير من الأشخاص قد تحولت كل حياتهم بكل تفاصيلها من الأكل والشرب والرحلات و شراء الملابس إلى محتوى يتم عرضه لحظياً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهذا ما أدّى إلى تدمير الحياة الواقعية للبعض، فبمجرد البحث عن التقدير عن طريق السوشال، فهذا يعني عدم الرضا عن الواقع المعاش.
وتضيف: خصوصاً عندما تصبح حالة الرضا والقناعة مرتبطة ارتباطاً مباشراً بعدد اللايكات والتعليقات التي يحققها المحتوى الذي يتم نشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
اضطراب صورة الذات
وتوضح القطيفاني أن من الأمور التي يراها المختصون كثيراً في عياداتهم هي اضطراب صورة الذات أو القناعة أو تقدير الذات، والمتعلق بالشكل والفكر والمعيشة بصورة عامة، فمثلاً الكثير من النساء يلجأن لإجراء الكثير من عمليات التجميل فقط ليصبحن صورة عن النساء المشهورات على السوشال ميديا، والكثير من الأسر تفككت بسبب مقارنة المعيشة، والكثير من العلاقات العاطفية والاجتماعية وحتى الزوجية تهدمت بسبب المقارنة مع ما يراه الناس عبر السوشال ميديا.
الابتعاد عن المقارنات
وعن الإنقاذ من هذا الضياع، تقول القطيفاني لـ Syria One إنه يكون بالتحلّي بالكثير من الوعي، وفهم أن معظم ما نراه عبر الشاشات ليس سوى خداع وكذب وزيف، وإننا نستطيع العيش بهدوء أكثر لو ابتعدنا عن كل المقارنات وجعلنا جلّ اهتمامنا منصب على الواقع الحقيقي الذي نعيشه بعيداً عن كل ترهات وأوهام وزيف السوشال ميديا.






